صدى البلد
رئيس التحرير

النَسَب

محمود خليل
محمود خليل

نعيش فى مُجتمع ذو تاريخ عريض يمتد لألاف السنين، تاريخ ظهرت فيه شخصيات عظيمة منها من هو من جنسيتنا ومنها من إختلط بنا حتى صار مننا، وفى أرضنا حدثت الكثير من الأحداث التى غيرت شكل العالم كرسالات الإنبياء وهجراتهم، وعلى أرضنا وُجدت الكثير من العجائب والغرائب التى صار وجودها سبباً للتفاخر مثل نهر النيل والأهرامات والقُدس الشريف، ولذا سيجد بعض الناس إن لم يكن أغلبهم ما يفتخرون به فى نسَبَهم ومن يفتخرون به فى أسلافهم، وسيجِد البَشَر دائماً فى مجتمعاتنا وسيلة للترويج لأنفسهم ولكل ما أو من ينتمون إليه أو ما تواجدوا بجانبه حتى! وفى بحثنا عن واقع جديد جميل مُزدهر لا يجد أغلبنا إلا الإعتزاز بالقديم حتى إشعار أخر!


وقد عاشت بلادنا ومنطقتنا عُصوراً مُختلفة وقد إنتهى كل عَصر بهزيمة وإنحدار أدى لظهور عصر جديد ومرحلة جديدة، ويتفاخر أصحاب المَجد القديم المُنتهى بما فعلوه أيام دانت لهم الدنيا كما يتفاخر أصحاب المجد الجديد بعبقريتهم فى قلب الموازين وإستعادة السيطرة، ولذلك يتفاخر ذوى الأصول الفرعونية والعربية والتُركية والمملوكية جميعاً فى وقت واحد فى بلادنا مع أن أحدهم لم يكن ليوجد لولا أنه إنتصر على الأخر!


وتتعدد أسباب الإعتزاز بين البَشَر بين الإعتزاز بالدين أو بالثروة الموروثة أو بنقاء الأصل أو بالإنجاز العلمى أو الثقافى، والإعتزاز شأنه شأن أى شئ أخر لا بُد فيه من الإعتدال، فإن زاد الإعتزاز عن الحد ووصَل لمرحلة الكِبر صار مذموماً وربما صار سبباً فى إثارة النزاعات وترسيخ الضغائن، وإن قلَ الإعتزاز حتى وصل حد الإنكار والإخفاء فهو أيضاً مذموم إذ أن أصل الإنسان هو من أحكام القَدَر التى لا يجوز التمرد عليها!  والحق أن إخفاء النَسَب إدعاءاً للتواضع هو عين الكِبر إذ يرى صاحبه أنه أعلى من أن يُنسَب إلى أجداده!


ولم ينهَ الدين عن الإعتزاز بالإنتماء إلى مجموعة فاضلة أو مُميزة شريطة أن يُنتج هذا شيئاً إيجابياً، وقد وقَف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد بعد أن خالَف المُسلمون أمره مُعتزاً بنَسَبِه قائلاً (أنا النبى لا كَذِب أنا بنُ عبد المُطلب) وقد كان لذلك القول عظيم الأثر فى قلوب من صبَر من المسلمين وقتها وإنتهت المعركة يومها بأقل الخسائر المُمكنة، غير أن الدين الحنيف أيضاً حثنا على العَمَل دون إتكال على نَسَب وفى الحديث الشريف (أنَّ مَن بَطَّأَ به عَمَلُه لم يُسْرِعْ به نَسَبُه».