صدى البلد
رئيس التحرير

ميريت آمون.. الملكة البيضاء

هند عصام
هند عصام

إلى أين تاخذنى أحلامى و شغفى هذا نحو العظمة، عظمة أجدادى الفراعنة، هل تأخذنى فى نهاية المطاف إلى الإصابة بالجنون حقا؟ أم إلى حياة أفضل بذهن حاضر وعقل مفكر؟ فالأحلام كثُرت والخيالات تطورت وأصبحت حقيقة، فكلما أغمضت عينى أرى ملوكا، وكلما التفت من حولى يميناً او يساراً أرى ملكات، فهذه ليست مجرد أحلام أو تخاريف بسبب ضغوط نفسية، أصبحت حقيقة وليست حلما كالعادة. 

لأول مرة أرى بطلة القصة على الحقيقة عندما كنت غارقة فى نومى على غير العادة، فدائما ما يكون نومى متقطعا، وأشرقت شمس الصباح واستيقظتُ على صوت زقزقة العصافير والهدهد صديقى ينقر على شباك غرفتى وكأنه يبعث لى رسالة بلغة الطيور: استيقظى فالعظمة تملأ غرفتك، فتحت عينى وكان شعاع من الضوء يخترق زجاج غرفتى، وأول ما أفعله دائما عندما أستيقظ أنظر على يسارى لأرى أغلى ما أملك (أمى). 

وكانت الصدمة أنها ليست أمى التى أراها كل يوم، بل أصبحت ملكة فرعونية، ومع الفزع والخوف الذى انتابنى فى تلك اللحظة التى ذهب فيها صوتى ولم أستطع أن أستغيث بأحد، أغمضت عينى وفتحتها وظللت أضرب على وجهى كى أستيقظ وأفيق، ربما أكون نائمة  حقاً أو مصابة بما يسمى الجاثوم وأرى أمى من جديد، وبالفعل عادت أمى والتقطت أنفاسى مرة أخرى والحمد لله كثيراً، ولكن كل ما بقى لى هو الخوف والقلق  الذى تحول إلى شغف معرفة من تكون هذه الملكة التى أخذت مكان أمى فى الغرفة وكانت تشبهها كثيراً.  

وبدأت البحث والاطلاع على صور وآثار ملكات مصر الفرعونية العظيمة، لأكتشف فى نهاية الأمر أنها الملكة البيضاء، “الملكة العروسة” كما يطلق عليها أهالى أخميم، الملكة "ميريت آمون" ابنة الملك رمسيس الثانى وزوجته، وابنة الملكة نفرتارى. 

ولدت فى القرن 14 قبل الميلاد، وهى الابنة الرابعة للملك رمسيس الثانى، وبعد وفاة والدتها الملكة نفرتارى، تزوجها والدها الملك رمسيس الثاني، وأصبحت هى الملكة وحملت لقب الزوجة الملكية، كما كانت كاهنة للربة حتحور، وتتولى إقامة الشعائر لها. 

ولقبت الملكة ميريت آمون بـ"محبوبة آمون والزوجة الملكية العظيمة"، ومن ضمن ألقاب ميرت آمون أيضا عازفة آلة السيسروم للربات موت ومينات وحتحور، و"سيدة قلب الفرعون"، و"الأميرة العظيمة"، و"سعيدة القلب"، و"المحبوبة التي تسر قلب حورس". 

وسارت الملكة ميريت آمون على خطىَ والدتها الملكة نفرتارى وأبيها وزوجها الملك رمسيس الثانى،  ووصفها كتاب “موسوعة أقاليم مصر الفرعونية” بأنها حبيبة سيد القطرين، الواقفة دائما بجانب ملكها رمسيس الثاني، والعديد من الكلمات التى تصف جمال شخصيتها، منها ”عازفة الهارب للإله حتحور"، و"منشدة طروب الإله"، وذلك وفقا للنقوش المدونة على الجدران، وتوفيت فى القرن الـ 13 قبل الميلاد، لتبقى آثارها خالدة إلى يومنا هذا. 

وكانت الملكة ميريت آمون ضمن موكب المومياوات الملكية من المتحف المصري بالتحرير لمقرها بمتحف الحضارة المصرية بالفسطاط، وفى عام ١٩٨١ اكتشفَ بالصدفة البحتة معبد لرمسيس الثانى فى أخميم (سوهاج)، وتم الإعلان عن أكتشاف أثرى كبير، ومن ضمن هذا الاكتشاف تمثال “العروسة الملكة البيضاء”، تمثال "ميريت آمون"، مصنوع من الحجر الجيري، وهو أكبر تمثال لزوجة فرعونية في التاريخ الفرعوني، ويبلغ وزنه 31 طنا، وطوله 13 مترا، وبجواره تمثال رمسيس الثاني جالسا على العرش بوزن 45 طنا، وطول 15 مترا تقريبا. 

ويعتبر تمثال الملكة ميريت آمون من أجمل ما نحت في عهد الرعامسة، حيث العظمة والشموخ  والدقة فى النحت وطول القامة الحلاوة والرقة والابتسامة، وزهاء الألوان والاختلاف، تلفت كل الأنظار إليها، فصدق أهل أخميم عندما أطلقوا عليها “العروسة”، فهى حقاً تلفت الأنظار مثل العروس ليلة زفافها. 

ويظهر تمثال الملكة ميريت آمون وهي ترتدي باروكة شعر مستعار، ويعلو شعرها قاعدة مستديرة من الكوبرا، وكان يعلو هذه القاعدة ريشتان طويلتان، ولكن الجزء العلوي من التمثال لديها في الأصل غطاء طويل للرأس يتكون من ريشتي النعامة مع قرص الشمس فوق رأسها.

تظهر اثنتان من حيات الكوبرا على جبين الملكة، الأولى الموجودة على اليسار ترتدي التاج الأبيض لمصر العليا، بينما ترتدى الأخرى التاج الأحمر لمصر السفلى.

كما ترتدي الملكة قرطا من الذهب في الأذن، وتمسك في يدها اليسرى عقدا كان يستخدم في الصلصلة لإحداث ضجة أثناء الطقوس الدينية، وهو على هيئة البقرة حتحور، أيضا ترتدى قلادة عريضة بأفرع متعددة من خرز مذهب وأساور، وبعض الورود التى تزين الصدر.

وإذا أطلت النظر إلى تمثال ميريت آمون، تجدها تمسك فى يدها مذبة، وهى عبارة عن شارة من شارات الحكم، عبارة عن سوط أو كرباج، واعتبرت رمزا للحماية فى مصر القديمة.