صدى البلد
رئيس التحرير

بسنت حميدة

نهال علام
نهال علام

تتدرج السماوات من تلك الأولى التى تفرد أجنحتها الزرقاء فوق رؤوسنا حتى تصل للسماء السابعة التى يجنح إليها خيالنا، والمعجزات واسعة! أما المبهجات راسخة. 

وبين المبهمات والهمهمات الكثير من الأمور الساكنة، فالجبال على هيبتها صلدة، والبحار على جنونها كثيراً ما تتفرع لأنهار صامتة، ونحن بين البينين نراقب الكون بتلك العينين فيعيش البعض كمراقب ويحيا البعض كمعافر، للبحار عابر وللصعاب كاسِر، وباليقين مُثابِر.

وأيام الأسبوع أيضاً سبعة، وساعات العمر تمضى مع كل لحظة في تلك السبعة، فسنواتنا على متن تلك الحياة محدودة، إذاً فكل ما نقدمه فيها من أعمال محسوبة، لنا مرة وعلينا مرات غير معدودة، فكلنا أبطال ذات الرواية نتقاسم السطور وتطوينا الصفحات، والقليل منا هو من يستطيع أن يخلق التفاصيل التى تحول مجرى الرواية، فتبدأ من عنده الحكاية.

وأجمل قصص الحياة المغموسة بظروف تبدو صعبة، والتى تقرأ سطورها فتعتريك الفرحة، تبدأ  باسم الله العظيم ولا تنتهى إلا بتبارك الله العليم، وتلك الحكايات هي ما تحرث الأرض لتضع بذور الأمل التى تنمو لنشعر أن الكون لا يعرف المستحيلات، وأن المعجزات تكمن في قلبك الذي يقرر نسف التحديات.

الأسبوع المنصرم كان مليئاً بالبهجة، وسببها تلك المرأة القوية المنطلقة الحلوة ذات الضحكة الواثقة، بنت مصر التى أصلحت ما أفسده الموتورون بتصريحاتهم اللزجة، تلك الفتاوى الباطلة من منابر التواصل الاجتماعى العاطلة، التى لم ترَ المرأة إلا عورة الكرة الأرضية، ووجودها سبب شقاء الإنسانية، وبقاؤها سر عناء الكواكب الشمسية، ولكن ها هي تجري بما أوتيت من قوة فتطوى الأرض وتجعل كل من يحاول اللحاق بها يسقط في الهوة.

إنها ابنتنا بسنت حميدة صاحبة الإنجازات الذهبية، تلك الغزالة المصرية التى رفعت اسم مصر في المحافل الدولية، بعد ما نجحت في حصد ميداليتين ذهبيتين بدورة ألعاب البحر المتوسط التى أقيمت في الجزائر، والتى فازت مصر فيها بإجمالي خمسين جائزة منها ١٣ ميدالية ذهبية، و١٤ ميدالية فضية، و٢٣ ميدالية برونزية، ومنها ذهبيتان للاعبة نعمة سعيد في رفع الأثقال، ولا شك أننا فخورون بجميع أبنائنا الفائزين، ولهم منا آلاف القبلات على الرأس شكراً وتقديراً لما بذلوه من جهد وبأس.

لكن ربما يظل فوز بسنت هو النجاح الذي يمثل انتصاراً للمرأة في ظل الظروف الراهنة التى تحاول فيها كتائب الإخوان التقليل من شأنها واختصار دورها لما لا يليق بها، الأمر الذي وصل إلى محاولاتهم إيجاد مبررات لاستباحة دمائها.

بسنت مهندسة مجتهدة ومعيدة بالجامعة وزوجة محبة، لم تنسَ في خضم انتصارها أن تقبل يد زوجها وهو مدربها، وهى قُبلة إعزاز وشكر مستحقة لمساندته لها ودعمها والوقوف لجوارها، وهذا رد بالغ الصدق على كل من يتهم النساء اللواتى يطلبن العدل والمساواة الإنسانية بأنهن كائنات مفترية.

فلقد وهب الله المرأة فطرة طبيعية أن تستكين لزوجها وتضعه فوق رأسها على أن يكون سنداً لها وعوضاً عن أهلها وكتفاً تلجأ له في ضعفها وساحة ترقص بها طرباً في فرحها، لذا إذا كان الأمر بيدي لأهديت بسنت الذهبية الثالثة لأنها أوجزت وأنجزت في إيصال رسالة بسيطة الحروف معقدة الأفكار وهي ماذا تريد المرأة من الرجل!

مصر ولادة ولكن البطن قلابة، لذا نجد بعض النماذج الدخيلة على حضارتنا العريقة التى نقشت دور المرأة وعظمتها على جدران معابدها، ففي الحضارة الفرعونية ما يزيد على ١٢ ملكة مصرية، بينما كانت النساء في العالم يتم مقايضتهن نظير  أى سلعة تبدو غير أساسية ولكنها أكثر أهمية من المرأة المعنية. 

والمكتسبات التى حققتها المرأة بفضل دعم الإرادة السياسية جعلتها في مرمى سِهام كل حاقد على الوطن، ضحك ساخراً عندما نادى الرئيس بالبنية الإنسانية جنباً لجنب مع البنية التحتية، فإذا بالقدر يَرُد كيدهم في نحورِهم، وفي ذات اللحظة التى تعدو بسنت وتحصد الذهبية، تفتتح محطة عدلي منصور ويجري القطار المكهرب من قلب أكبر محطة تبادلية في الشرق الأوسط.

شكرًا لكل المصريين الذين رفعوا علم مصر في كل مناحي العالم، نساء ورجال، هم سفراء الوطن المجتهدين ونحن مقدرين لدورهم في رسم الهوية المصرية، ولنضرب المثل بمحمد صلاح وما صنعه في تغيير الصورة النمطية التى ارتبطت بعنف الإسلام بعد أحداث سبتمبر  ٢٠٠١ الدموية، فكل مصرى هو دعاية لوطنه خيراً كان أو بالشر، ولكل مجتهد نصيب، يصيب به نفسه وأسرته ووطنه، لذا لنكن رُسل حضارة لما يستحقه الوطن من مكانة، ولن يتحقق ذلك إذا لم تشعر بعراقة ماضيك وعظمة مستقبلك وعظيم رسالتك، مليون تحية لكل الأبطال المصرية في كل المجالات الحياتية، وتحيا مصر كما يليق بها بهية وأبية.