صدى البلد
رئيس التحرير

في محاضرة أمام منتدى تحالف الحضارات وحوار الديانات بالمغرب.. تحذيرات من سوء استغلال البصمة الرقمية وبيانات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي

صدى البلد

 

شارك الكاتب الصحفي المستشار الإعلامي، الدكتور سمير محمود أستاذ الصحافة والنشر الإلكتروني بجامعة السلطان قابوس سابقًا، في أعمال منتدى تحالف الحضارات وحوار الديانات، بمحاضرة تحت عنوان "مواقع التواصل الاجتماعي بين التغيير والتأثير"، والتي أقيمت عن بعُد يوم 11 مايو الجاري بالمملكة المغربية.


وأكد الدكتور محمود، في محاضرته، أن لكل مستخدم من مستخدمي شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي بصمة رقمية، تصف بدقة سلوكه الاتصالي عبر الشبكة العنبكوتية وزياراته وعمليات بحثه في مختلف مجالات اهتمامه، ما بين فن ورياضة ودين وعلوم وعالم الموضة والتسوق والسياسة والأخبار وحتى الجنس والبيزنس.


وحذر الخبير الإعلامي المصري من خطورة إساءة استخدام بيانات المشتركين ببعض الشبكات العملاقة واسعة الانتشار، وأن برمجيات وخوارزميات حاسوبية متقدمة تحلل ليل نهار بيانات المستخدمين وسلوكهم الرقمي، وترصد أكثر المواقع تصفحًا، ومن ثم تبني سلسلة من المحتوى الذي يحاصر هؤلاء، فمن يبحث لدقائق قليلة عن جهاز تكييف يقيه حرارة الصيف، يفاجئ دون بحث إضافي في الويب نفسه أو الأيام التي تليها بأنه محاصر بعروض أجهزة التكييف لشركات وكيانات وماركات عالمية وأخرى وهمية، وهنا مكمن خطورة استغلال البيانات ودخول متطفلين ومبتزين على الخط، ليصبح الضحية هو المستخدم بامتياز، نتيجة لخلل وضعف في خصوصية وسرية البيانات
وحذر الدكتور سمير محمود من انتشار الأكاذيب والشائعات والتنمر والابتزاز اللاأخلاقي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشددًا إلى أن الحاجة باتت ملحة لثورة تشريعية تنظم تعامل المستخدمين مع الشبكات وتركز على حمايتهم ضد ابتزاز الآخرين، وسوء استغلال بياناتهم والاعتداء على خصوصيتهم، من جانب ملاك هذه الشبكات والمواقع العملاقة.


ونوه في محاضرته، التي أداراتها الدكتورة بشري اقليش رئيس منتدى تحالف الحضارات وحوار الديانات بالمغرب، إلى أهمية الوعي الجماهيري ضد سياسات التغييب والتسطيح وتسليع كل شيء بدءًا من الأفكار والمعلومات والأشخاص ومرورًا بالأفكار والمعتقدات، مؤكدًا سيادة حالة من حالات السيولة في العلاقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تلك السيولة الكاشفة لقوة تأثير هذه الشبكات وهشاشة مستخدميها، وبحيث حدث تهروء وتمزق حاج في العلاقات الإنسانية والاجتماعية وعلاقات العمل وفي محيط الأسر وبين الزملاء، وهو ما حظر منه عالم الاجتماع البولندي زيجمونت بومان في سلسلة كتب من أشهر الأزمنة السائلة والثقافة السائلة، في وقت حظر الفيلسوف الكندي آلان دنو مما أسماه بزمن التفاهة والتافهين، حين تسمح شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي بالترويج الكثيف لأنصاف المثقفين وأنصاف الموهوبين ليتسيدوا المشهد ويحتلوا بعض المواقع والمناصب، ويحظى بعضهم بأسماء وصفات وألقاب وهمية كالمؤثرين وغيرهم، سواء بدافع التربح أو الكسب المادي أو الشهرة أو التأثير في الآخرين، وهي نزعات تغذيه وتمولها بعض شركات وشبكات التواصل الاجتماعي ومنصاته مثل اليوتيوب وغيرها.


وحذر أستاذ الإعلام من خطورة وسوء استخدام بعض تطبيقات ومنصات التواصل ومنها اليوتيوب والتيك توك الذي بلغ عدد مستخدميه مليار نسمة حول العالم في وقت كان المستخدمون أقل من 300 مليون مستخدم قبل عامين، وأن هذا الانتشار الواسع الكثيف للمنصة الصينية، دفعت مطوري البرامج لمزاحمة اليوتيوب بإطالة مدى مقاطع الفيديو المصورة لأكثر من عشر دقائق، ما يمكن المستخدمين من تقديم محتوى مرئي مسموع بمساحات زمنية أطول.


وأشار الدكتور محمود إلى أن إساءة استخدام التيك توك طالت العديد من الشرائح العمرية في الوطن العربي خاصة فئة الشباب والفتيات وإن بعضهم خضع لسوء استغلال من شركات معلنة ولأغراض بعضها مشكوك فيه، وأن عدة مشكلات وقضايا أثيرت ووصلت لقاعات المحاكم والدوائر القضائية والحقوقية في العالم العربي، وصدرت بشأنها أحكام قضائية رادعة خاصة ما يتعلق منها بالاتجاز بالبشر والابتزاز الجنسي والمالي ونشر العنف والكراهية والتنمر والإلحاد والإساءة للأديان.
وطالب الدكتور سمير محمود بدور أكبر للمثقفين وقادة الرأي الفعليين في المجتمعات العربية، كما طالب بالتربية الإعلامية للجموع الغفيرة من الجماهير، لتحصينها ضد الاستخدامات السيئة لمواقع التواصل الاجتماعي ولتجنب الآثار غير المرغوبة لتلك المواقع والشبكات.


وأعطى أستاذ الإعلام العديد من الأمثلة على التأثير والتغيير الكبير الذي أحدثته مواقع التواصل الاجتماعي، التي باتت لدى البعض أدوات للتعليم والتعلم والتثقيف، ومصدرًا للأخبار، ومنصات للتسويق والتسوق والشراء والدفع الرقمي عن بعد، إضافة إلى دورها البارز في حشد الجماهير والترويج للأفكار والسياسات وبعضها مدفوع بغرض التغيير والثورة على بعض الأوضاع الداخلية المرفوضة للأنظمة السياسية حول العالم، مشيرًا إلى الحالات الكثيرة العربية والعالمية التي جرى فيها توظيف مواقع التواصل الاجتماعي واستخدامها أدوات للحشد وتحريك الجماهير والتأثير في الرأي العام سواء في تونس أو مصر أو سوريا، إضافة إلى قضية مقتل الأمريكي من أصول أفريقية جوروج فلويد، وقضية وفاة الطفل ريان في أحد الآبار بالمغرب، تلك القضية التي وحدت العالم وأثرت في إعلامه القديم والجديد وبحيث صار خبراً رئيسًا يتابعه الملايين حول العالم لحظة بلحظة. 
ونوه المحاضر إلى قوة التأثير الرهيبة التي تمتلكها اليوم شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي دفعت ببعض الدول حول العالم، إلى حجب هذه الشبكات وتعقبها كما في النموذج الكوري والصيني والإيراني والتركي وغيرها، مشيرًا إلى أن هذه القوة الرهيبة تحمل في طياتها عوامل ضعف شاهدتها في أكتوبر من العام 2021 حين تعطلت خدمات الفيسبوك وانستجرام والواتساب لست ساعات كاملة ما دفع المستخدمين للهروب الجماعي إلى منصة تويتر، وإلى البحث عن بديل لتطبيق الواتساب باللجوء إلى تطبيق سيجنال، مشيرًا إلى أن أي انقطاع في كوابل الانترنت وتعطل خدمات مواقع التواصل الاجتماعي، يكشف هشاشة تلك الشبكات وضياع وهدر بيانات ضخمة ما لم يكن لها نسخ احتياطية، وبالتالي فقدان تلك الشبكات والمواقع لميزة الأرشفة والتوثيق، ومع ذلك تظل تلك المواقع والشبكات صفقات مربحة تربح المليارات من بيانات المستخدمين، ولهذا لا غرابة في أن يٌقبل أيلون ماسك رئيس شركة تسلا على شراء منصة تويتر للتدوين القصير بصفقة معلقة قيمتها 44 مليار دولار.


وخلال المحاضرة استعرض المتحدث أبرز احصائيات استخدام الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي عالميا، حيث أشار إلى أن أكثر من نصف سكان العالم حاليا، البالغ عددهم 7.87 مليارات نسمة، يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، وأن 4.80 مليارات شخص حول العالم يستخدمون الإنترنت حتى يوليو 2021، ويشكلون ما نسبته 60.9% من سكان العالم، وأن حجم البيانات عالميًا في زيادة مطردة؛ حيث أنه في عام 2020، تم إنشاء 64.2 زيتابايت من البيانات، أي بزيادة قدرها 314 بالمائة عن عام 2015، كما ساهمت زيادة الطلب على المعلومات بسبب أوبئة كوفيد-١٩ في نمو أعلى من المتوقع، مضيفا أن الجزء الأكبر من تلك البيانات هي ما يمكن أن يُسمى "عوادم البيانات"، وهي البيانات التي تُجمع من حصيلة التفاعلات اليومية مع المنتجات والخدمات الرقمية، بما في ذلك الهواتف الخلوية وبطاقات الإئتمان ومنصات التواصل الاجتماعي.
وشدد أستاذ الصحافة والنشر الإلكتروني بجامعة السلطان قابوس سابقًا، على أهمية حماية الأخلاقيات وخصوصية البيانات والخصوصية الرقمية للأفراد والمجتمعات، محذرًا من مخاطر تسريب وتداول البيانات والمعلومات الشخصية مثل البريد الإلكتروني وأرقام الهواتف.


وتطرق إلى التعريف بالبصمة الرقمية والتي تُسمى أحيانًا الظل الرقمي أو البصمة الإلكترونية أو السمعة على الانترنت، إلى أثر البيانات التي تتركها عند استخدام الإنترنت، مشيرا إلى أن عدد من الدول حجبت مواقع التواصل الاجتماعي بشكل دائم أو مؤقت، لأسباب مختلفة، بعضها فعل ذلك من أجل منع تأثير الشركات الأمريكية على عقول مواطنيها، والبعض الآخر اتخذ من الحجب وسيلة لإنهاء المظاهرات والحفاظ على الأمن القومى.


واختتم الدكتور سمير محمود محاضرته، بطرح سؤال مفاده: هل يمكن أن نتخلى عن وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي؟ وماذا سيكون عليه شكل العالم بغياب هذه المواقع وهذه التطبيقات التي بفضلها نلتقي اليوم رغم اختلاف المناطق الزمنية وفروق التوقيت والمسافات؟ وأجاب أن العالم به بعض القطاعات الجماهيرية التي تقاوم استخدام وسائل الإعلام قديمة وجديدة، وأن الحياة ممكنة وأكثر هدوءًا من دون شبكات التواصل الاجتماعي، التي ضربت العلاقات الإنسانية والأسرية والاجتماعية في مقتل، لتفرز واقعًا جديدًا مغايرًا، يشهد اضطرابات وضغوط وأمراض نفسية واجتماعية لم يكنت بعرفها العالم قبلًا، وأشار إلى وجود عشرات الكتب والدراسات التي تروج لنظرية مقاومة وسائل الإعلام   Media Resistance  إلى حد مقاطعتها تمامًا  Media Boycott ، مشيرًا إلى أنه شخصيًا ليس من أنصار المقاطعة، وإنما من أنصار الاستخدام الواعي الرشيد والإيجابي، ليس بمسطرة معايير أو وصفة جاهزة يفرضها أو يمليها على الحضور، مؤكدًا أنه شخصيًا على أتم الاستعداد للبقاء نشطًا على هذه الشبكات 24 ساعة في اليوم إذا ما حققت له الاشباعات ولبت لديه الاحتياجات المفقودة، والتي تجعله كثيرًا ما يلجأ لعطلات سنوية تمتد لأشهر طويلة، ينفصل فيها تمامًا عن هذه الشبكات والمواقع، وحين يعود يكتشفه أنه لم يفقد شيئًا أو لم يفته أي شيء، وبالتالي يتغلب على تأثير الفومو   FOMO Fear of missing out.