صدى البلد
رئيس التحرير

البحر وأنا

هادي التونسي
هادي التونسي

طالما جذبني البحر صغيرا,كنت أجلس على شاطئه ساعات, أتابع ايقاع الامواج وانعكاس الضوء على حركته, أستنشق نسيمه وأتوه في الزمن والمدى، أغسل فيه احزاني, وأتطلع إلى ما بعد اللحظة وأنهل من حكمة الحياة .كان البحر صديقا خالدا متاحا دوما ومعلما بلا حدود .

علمني البحر بسكونه وأمواجه الجبارة ان من قواعد الحياة خلود التغير , إن امواج العمر تعلو لتهدر, وتنتهي في سعيها نحو شاطئ الموت, لتعود المياه روحا في جسم موجة, تبدو صغيرة ثم فتية لتنكسر إلى  موت هو بداية حياة.

يتسم بعضنا بالجمال أو الهدوء أو الشفافية أو باختلاف اللون. ورغم تبايننا من شخص لآخر و من حالة لأخرى الا ان بحرا واحدا يشبهنا جميعا, بما في ذلك تنوعه وفق البيئة و الرياح و الضوء والحرارة, وكأن البحر يحتوي حقيقة ان كلا منا يختلف ظاهريا وعن داخله,ولكنك تتوقع ان يكون العمق على تراوحه مستندا إلى اركان متشابهة.

أحيانا ما تسبح اسماك القرش في مياه دافئة هادئة جذابة اللون,وأحيانا تكون المياه باردة داكنة,ولكنها مسالمة منعشة منشطة. يدفعنا فضولنا إلى خوض غمار البحر مسافة وعمقا, حتى لو كنا نغامر بوقتنا و حياتنا, فالبحر غامض ساحر,وهكذا هو الإنسان, فلا حياة ولا طرافة في سكون الضمان,ولا راحة في اختزان الطاقة وكسل التقاعس والهروب. إنما الحياة تجارب وتعلم لا ينتهي الا بموت, و بهجة الحياة سمو وإنجاز بلا نهاية, و الحياة مدرسة الروح والعقل.

هل لهذا نحب العيش إلى جانب البحر؟ هل لأننا نتوق دوما إلى صديق و معلم حكيم يخرجنا من الانغماس في ذواتنا إلى الذوبان في حكمة الحياة ووحدانية الروح, سواء تجسدت في انسان أو حيوان أو نبات. كله يبدأ و ينمو و ينتهي ويشعر و ينتج ويتغذى من بعضه البعض,و يعيش في جماعات, لكن يتنافس مع اقرانه و يمتد في اجيال متابعة, مؤكدا مرحلية الحياة وخلود الروح و الطاقة معا في نظام كوني متناغم عبقري ,يحتوي اكبر المجرات وأصغر الذرات. 

كان آخر ما قالته والدتي قبل الوفاة مع لمعة العين و سكينة الروح ومحبة القلب و عمق الشعور ان الحياة حلوة .و لكني أضيف انها غامضة ساحرة ,شاملة ومحتوية بلا نهاية ,لكن اذا استغرقتنا ننغمس في الذات ونفقد القدرة على الاستمتاع بالاخرين و بالحرية الحقة وباللحظة و بالغموض الساحر بلا ضمان,بل في تناغم جوهري مع الحياة ذاتها و مع النفس .فهل أتمنى لكم ان تتخذوا من البحر صديقا؟