مسئوليات الأسرة تجاه الطفل الموهوب

حق الطفل في رعاية واكتشاف موهبته، أصبح حقا أصيلا كفله الظهير الدستوري المصري، وألزم الدولة ومؤسساتها المعنية بإنفاذ هذا الحق.
وتعد الأسرة هى البيئة الأساسية التي تؤسس، وتشكل شخصية، ووجدان وفكر، وروح الطفل، وعليه يستمد منها ملامح شخصيته في المستقبل.
من هنا نبدأ سرد وتحليل دور وأهمية الأسرة في اكتشاف موهبة الطفل، والتي إذا لم تكتشف قد يصاب الطفل بالإحباط الشديد نتيجة انحسار هذه الموهبة التي حباه الله بها دون سواه.
ومن هذا المنطلق تنبع أهمية دور الأسرة، لا سيما الأم، في اكتشاف ورعاية موهبة الطفل، وهذه الموهبة تتطلب توفير الأدوات الملائمة لتنمية قدرات الطفل وإمكاناته، وتهيئة بيئة إبداعية، وحياة متوازنة، بين احتياجات الطفل العقلية، ونمو جسمه في مراحل حياته المختلفة، تحقيقا لاكتمال هذه الموهبة بداخله وتوظيفها لخدمة الوطن.
ويتعين أن نعي جيداً، أن الطفل الموهوب كائن مختلف، يحتاج إلى رعاية خاصة تكفلها الأسرة والمدرسة والدولة بمؤسساتها المعنية، فليس مبالغة أن نذكر أن احتياجات هذا الطفل الموهوب من الناحية المادية قد تكون مماثلة لما يحتاجه الطفل ذو الإعاقة!! حتى يتمكن من تفجير طاقاته الإبداعية، والوصول لمرحلة الإنجاز والتميز، كمخترع أو موهوب صغير قد يصل في يوم ما إلى العالمية.
ولكن للأسف نصطدم بالواقع والحقيقة!! والمتمثلة في فقدان العديد من الأسر للخبرة والمهارات المطلوبة في التعامل مع الطفل الموهوب، لأسباب عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر: أن الأسرة نفسها غير مدربة على اكتشاف موهبة الطفل، وكيف تكتشف هذه الموهبة؟ ومن المعني بتدريبها؟ والدولة نفسها تندر بها الهيئات المتخصصة في التربية، والتي تساعد أولياء الأمور على استيعاب موهبة الطفل، والقدرة على احتوائه وحسن التصرف تجاه طموحاته وأسئلته غير العادية، والتي قد تقابلها الأسرة بعدم الاكتراث، وفي بعض الأحيان تعتبر المدرسة أن هذا الطفل الموهوب متخلف عقليا أو بطيء التعلم، ويحتاج إلى علاج نفسي.
الطفل الموهوب يحتاج إلى مهارات خاصة من الأسرة، والعاملين مع ولأجل الطفل للعمل على مساعدته على تخفيف حدة القلق الذي يعد السمة الغالبة عند الطفل الموهوب، نتيجة صعوبة التكيف الاجتماعي في الأسرة والمدرسة.
وهذا القلق النابع من الموهبة يتطلب جهدا ومهارات خاصة، لتمكين الطفل وتحفيزه، ودون تدمير لهذه الموهبة، ويتطلب أيضا آليات خاصة لمتابعة حالة الطفل الموهوب النفسية، والصحية والاجتماعية.
ونتيجة التطور الكبير الذي شهده العالم لتحديد الإطار النفسي والتربوي لموهبة الطفل على مدى العشرين سنة الماضية، نجد تباينا كبيرا في مصطلح الموهبة، لأنه مصطلح فضفاض يحتمل عشرات المفاهيم، فمن الناحية اللغوية تتفق المعاجم العربية والإنجليزية على أن الموهبة هى " قدرة واستعداد فطري لدى الفرد".
أما من الناحية التربوية والاصطلاحية، فهناك تحديات تتعلق بتعريف ووصف العديد من المصطلحات المتعلقة بمفهوم الموهبة، والتي تعتبر سمات مركبة تؤهل الموهوب للإنجاز الفائق في بعض المهارات والمهام، ومن ثم فإن الموهوب هو ذلك الفرد الذي يملك استعدادا فطريا تساهم البيئة التي يعيش فيه في إثقال هذه الموهبة والعكس، وتتنوع هذه الموهبة التي قد تكون في الرياضة، أو الفن، أو في مجال الموسيقى، أو الشعر، أو الرسم، أو في العلوم.. وغير ذلك.
وأكد العالم "Terman1952" أن وراثة الموهبة أمر يصعب حسمه لأنه من الصعوبة دراسة الوراثة للسمات الشخصية لدى الأفراد، فالموهبة شأنها شأن جميع الخصائص الجسمية والسيكولوجية، ترتبط بالتأثير المتبادل بين النموذج الوراثي للبيئة التي يعيش فيها الفرد، وخلصت الآراء العلمية والنظريات التربوية إلى أن البيئة تؤثر في نمو موهبة الفرد، ويتاثر بها بالسلب أو الإيجاب.
والنتيجة التي وصل إليها العالم "تيرمان" أن صناعة الموهبة تخضع لعاملين هما: "الوراثة" و"البيئة"، فالوراثة توجد الاستعدادات، والبيئة كما ذكرنا إما داعمة لهذه الاستعدادات وتنميها، أو تطفئها إذا كانت بيئة غير مدركة للموهبة، وليس لديها الإمكانيات والخدمات الاجتماعية والمادية.
وقدم "أفلاطون" من آلاف السنين، ضمن جمهوريته المثالية، بحثا اختار فيه الأطفال الموهوبين من الأسر متدنية الدخل المادي (طبقة الفلاحين والعمال)، وزودهم بالعلوم والمعارف ومنحهم الاهتمام الخاص، لاعتقاده بأن الاستعدادات تولد مع الطفل، لكن البيئة إما أن تنميها أو تطفئها.
وعبّر الكونجرس الأمريكي عن اهتمامه بالطفل الموهوب من خلال المشروع رقم "806" الصادر عام 1969، حيث تم تكليف وزارة التربية بمهامٍ كثيرة مجملها الاهتمام بالمناهج التعليمية التي تتواءم مع الأطفال الموهوبين، وتلائم وتشبع قدراتهم النفسية والعقلية والاجتماعية.
وقد عرّف ميثاقُ التربية (1978م) الأطفال الموهوبين بأنهم يمتلكون قدرات عالية على إمكانات أدائية مميزة في النواحي العقلية والإبداعية والأكاديمية والقيادة والفنون البصرية.
وبعد إقرار دستور مصر الجديدة 2014، يتعين إعادة النظر في نظام التعليم على مستوى الجمهورية بدون تمييز بسبب النطاق الجغرافي، أو الفقر أو غير ذلك، يتعين أن يتم إدراك آليات علمية تُمكن القائمين على العملية التعليمية من اكتشاف الأطفال الموهوبين في المدارس بإخضاعهم لاختبارات الذكاء أو اختبارات ومعايير أخرى.
كما أنه يتعين على الأسرة التنبه لمسألة الاكتشاف المبكر للموهبة، لاسيما في سنوات عمر الطفل الأولي، ومرحلة الطفولة المبكرة (السنوات الست الأولى من عمر الطفل)، كمرحلة محورية تتفتح فيها نوافذ المعرفة لدى الطفل، وإدراك واقع الفجوة بين نمو الطفل العقلي ونموه الاجتمـاعي والوجداني، نتيجة تفوق قدراته العقلية وحساسيته المفرطة، فيصبح لديه عالم داخلي خاص وفريد يدفعه لطرح أسئلة عن أشياء صعبة مثل عالم الفضاء.
والأمر الذي يحير الأسرة ويفرض عليها تحديات وقلق، تساؤلات الأطفال في مرحلة ما قبل المراهقة "ما قبل 10 سنوات"، والتي قد يكون فيها عمر الطفل الزمني على سبيل المثال 7 سنوات، وعمره العقلي 12 سنة، لذلك فإن على الأسرة توخي الحذر في التعامل مع الطفل الموهوب، وتوفير بيئة داعمة وصحية له داخل المنزل، بيئة تشجع على التعلّم والإبداع، والابتكار، وكذلك العمل على تدريب الموهوب على الإنجاز في مرحلة الطفولة المبكرة.
وأسرة الطفل الموهوب عليها مسئولية محورية لتفجير طاقة وموهبة الطفل وتنميتها، بتنمية الوعي الجمالي والقدرات الإبداعية والابتكارية من خلال الأحداث اليومية للبلاد، وأيضا قد تكون الأسرة هى من يدمر هذه الموهبة ويوئدها قبل أن ترى النور.
ومن الحقائق العلمية المتداولة أن التربية المبكرة للطفل خلال السنوات الأولى الست من عمره، تحفر علامات لا يمكن محوها على شخصيته، وأنماط سلوكه، وهذا ما يجعل علماء النفس وخبراء التربية، يولون الرعاية الأسرية أهمية خاصة في استثمار الموهبة لدى الطفل.
ويتعين على الأسرة أن تعي حق الطفل الموهوب في اللعب، واللهو، والمرح، والترفيه، وأوقات الفراغ، ليعيش مع أقرانه الآخرين غير الموهوبين، يختلط بهم ويختلطوا به لتبادل الخبرات والمهارات، لأنه لا يمكن للأسرة أن تتجاهل الاحتياجات العاطفية، والاجتماعية، والجسدية للطفل الموهوب، حتى لو كان مستوى تفكيره يسبق أقرانه بأعوام.
ومن الأهمية بمكان متابعة وتقييم التطور في سلوكيات وموهبة الطفل بشكل دقيق، وموضوعية بدون إحساسه بذلك، مع العمل على تطوير وتحفيز مواطن الابداع، والحرص على عدم المبالغة لعدم خلق شخصية متكبره، وهو ما يحدث لدى العديد من الأطفال الموهوبين، ويوقعهم في متاعب ومشاكل مستقبلية قد تجعلهم أطفالاً مكروهين بين أقرانهم وفي المجتمع.
وقد تحدث المبالغة في الاهتمام بموهبة الطفل من قبل الأسرة، وإصرارها على أن يكون متميزا علميا أيضا، فالنتيجة أن يقع هؤلاء الأطفال فريسة للإحباط والشعور بالذنب، أمام رغبة الأهل في حصول أطفالهم الموهوبين على درجات عالية في المدرسة.
دور الأسرة في رعاية الطفل الموهوب دورا ليس بالهين، فقد يكون سلاح ذا حدين، فمن جهة يمكن للأسرة التي تبالغ في الاهتمام بأطفالها الموهوبين، وتحرص على الضغط عليهم للتفوق في المدرسة، وبتر موهبتهم بسبب الجهل، وقلة الخبرة في التعامل مع الموهوب، وبالمقابل فإن الإهمال وعدم المتابعة الدقيقة للموهوب من قبل الأسرة، وعدم مساعدته على تخطي بعض المشاكل التي تعيق تطور إبداعاته، تؤدي إلى توقف عملية التطور السريع للموهبة لديه.
بينما أكدت العديد من الدراسات المتخصصة على ضرورة التعامل مع الموهوب، بشمولية تركز على القدرة العقلية والمواهب الابتكارية والإبداعية، والسماح له بالاستمتاع بطفولته كغيره من الأطفال، وعدم ربط الموهبة بالتفوق العلمي والدراسي.
الخلاصة أن رعاية الطفل الموهوب تتطلب المواءمة بين الموهبة والواقع، وتقبل الطفل الموهوب، ومراعاه مصلحته الفضلي، والتعامل معه باتزان فلا يصبح موضع سخرية، أو مدعاة للحط من قدره، مما يعني نظرة موضوعية من الأسرة ومؤسسات المجتمع المعنية، تحقيقا لحق الطفل المصري في اكتشاف ورعاية موهبته.