قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن من أعظم ما يميز المنهج القرآني أنه لا يكتفي بالأمر بالعبادة في صورتها الظاهرة، وإنما يبني الإنسان من داخله، ويهذب سلوكه في نفسه ومع الناس وفي حركة الحياة كلها، لذلك حين وصف الله سبحانه وتعالى عباد الرحمن، بدأ بصفات تكشف عن حقيقة نفوسهم، وعن أثر الإيمان في أخلاقهم وسلوكهم، فليس المقصود مجرد هيئة في المشي، وإنما حالة من السكينة والتواضع والرفق، تنشأ عن معرفة الإنسان بربه، ومعرفته بنفسه، وإدراكه أن العلو والفساد والطغيان ليست من صفات أهل الإيمان.
صفات عباد الرحمن
واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ (الفرقان: 63)، فكانت أولُ صفةٍ لعبادِ الرحمن أنهم يمشون على الأرض هونًا، والهونُ يدل على الرفق واللين والسكينة والتواضع. ومنه ما رُوي: «أَحْبِبْ حبيبَكَ هونًا ما، عَسَى أَنْ يكونَ بَغيضَكَ يومًا ما، وأَبْغِضْ بَغيضَكَ هونًا ما، عَسَى أَنْ يكونَ حبيبَكَ يومًا ما»، أي: حبًّا مقتصدًا لا إفراط فيه ولا تفريط.
ورُوي عن سيدنا رسول الله ﷺ: «المؤمنون هَيِّنون لَيِّنون كالجملِ الأنف: إن قِيدَ انقاد، وإن أُنيخَ استناخَ على صخرة»، والمراد: أن المؤمن لينٌ سهلٌ.
فمعنى الآية: أن مشيَهم على الأرض يكون في لينٍ وسكينةٍ ووقارٍ وتواضع، وهذا كله ضدُّ الكِبر، وهو يتفق مع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (الإسراء: 37).
وعدمُ الكِبر يجعل الإنسانَ يعرف حقيقتَه، وأنه محدودٌ؛ فيلتفت إلى وظيفته الحقيقية في هذا الوجود، وهي: عبادةُ الله، وعمارةُ الكون، وتزكيةُ النفس. ويتفق ذلك مع وصيةِ لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان: 18).
وقال زيد بن أسلم: كنتُ أسأل عن تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾، فما وجدتُ فيه شفاء، فرأيتُ في المنام مَن جاءني فقال لي: هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض. (القرطبي). وقيل: يمشون بالوقار والسكينة.
وهو معنى جليلٌ نبه إليه كثيرٌ من المفسرين. فقال القشيري: «وقيل: لا يمشون بإفسادٍ ومعصية، بل في طاعة الله، والأمورِ المباحة من غير هوك»؛ والهوك: الحمق. وقال ابن عباس: بالطاعة والمعروف والتواضع. وقال الحسن: حلماءُ، إن جُهل عليهم لم يجهلوا. وقيل: لا يتكبرون على الناس. وهذه كلها معانٍ متقاربة، ويجمعها العلم بالله، والخوف منه، والمعرفة بأحكامه، والخشية من عذابه وعقابه. (تفسير القرطبي).
والهونُ هنا صفةٌ لعباد الرحمن، وليس صفةً للمشي وحده؛ لأن الإنسان قد يتأنى في مشيته ويظهر السكينة، وفي باطنه الكبر والعدوان؛ كما قيل:
كلُّهم يمشي رويدًا ** كلُّهم يطلبُ صيدًا
والنبي ﷺ يقول للسيدة عائشة رضي الله عنها: «إنَّ الرفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزعُ من شيءٍ إلا شانَه» (رواه مسلم).
فهذه صفةٌ تحتاج إلى كثيرٍ من ضبط النفس والتربية. وما أحوجَنا إليها في عصرنا الحاضر؛ حتى نخرج من آفاتِ الكِبر الذي ما دخل في أمةٍ إلا أهلكها، ومن آفاتِ الفساد الذي يبدد القناعة، ويغذي الطمع، ويفضي إلى الظلم والعدوان.
وإن من أعظم دوافع الإفساد في الأرض، وارتكاب الحرام، وظلم الناس، ذلك الطمع وما يكتنفه من عنفٍ في طلبه.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83).
ونلاحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى نهى عن مجرد إرادة العلو، فما بالك بنفس الفعل.
وفي الحديث: «ألا أُخبرُكم بأهلِ النار؟ كلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مستكبر» (رواه البخاري ومسلم).
والعُتُلّ: قيل هو الغليظ العنيف، الشديد الخصومة في الباطل، والجَوّاظ: قيل الكثير اللحم المختال في مشيته، وقيل فيه غير ذلك.
ويحتاج الأمرُ منا إلى تتبع مادة «فسد» في القرآن الكريم لرسم ملامح ذلك الفساد المنهي عنه، وكذلك في السنة؛ لأن تحديد المفاهيم أصبح من الواجبات الكبرى؛ فكثيرٌ من الناس يرى المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، ويرى الصلاح فسادًا، والفساد صلاحًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
