قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

منال الشرقاوي تكتب: الأب في السينما المصرية.. عطاء يستحق الاحتفاء

صدى البلد

في الحادي والعشرين من يونيو، حين تنحني الأيام نحو الصيف بكل ما فيه من وعود بالأيام المشرقة، تتجدد في مصر وغيرها من الأقطار العربية ذكرى يوم الأب، ذلك الركن الأساسي في بنيان الأسرة، فهو القوة والسند في الأزمات والراعي الأول لأبنائه، وهو الشخص الذي ينقل القيم والتقاليد عبر الأجيال. يتمثل دورالأب في كونه المعلم والموجه الأول، فهو الذي يعلم أبناءه كيف يواجهون الحياة بشجاعة وحكمة، ويكون بمثابة المثل الأعلى الذي يُحتذى به في كثير من الأحيان.
في المجتمعات حول العالم، يُعد دور الأب محوريًا ليس فقط في التنشئة الاجتماعية للأطفال، بل وفي توفير الأمان والاستقرار للأسرة ككل. مع تطور الزمن، شهد دور الأب تحولات كثيرة، حيث بات يشمل مزيدًا من التعاون والمشاركة في الأدوار التي كانت تُعتبر تقليديًا أدوار أمومية، مثل رعاية الأبناء والاهتمام بشؤون المنزل، مما يعكس تغير النظرة الاجتماعية لمفهوم الأبوة في العصر الحديث. وفي يوم الأب، حيث تتجلى معاني الاحتفاء بالمربي والحامي والموجه، ينبغي لنا أن نتأمل كيف عكست السينما المصرية هذا الدور الأبوي المحوري.
الأب، ذلك الركن الأساسي في بناء الأسرة والمجتمع، قد تم تصويره في أدبياتنا وفنوننا كرمز للتضحية والعطاء والصمود في وجه رياح الصعاب؛ لكن، هل تمكنت الأفلام المصرية من تقديم هذه الشخصية بالتجليل والاحترام الذي تستحقه؟
إن هذا السؤال يظل يلوح في أذهان المتأملين والنقاد، ممن يتابعون بعين الاعتبار كيف يتم تشكيل صورة الأب في السينما؛ فالأب في الفن السابع لم يكن مجرد شخصية ثانوية أو هامشية، بل كان ولا يزال يمثل عمقاً ثقافياً واجتماعياً يعبر عن القيم الأصيلة للمجتمع. هذا يقودنا إلى إعادة تقييم كيفية تناول السينما المصرية لشخصية الأب، وتحفزنا على البحث والتدقيق في كيفية تقديم هذا الدور الفاعل والمؤثر في بناء الكيان الأسري والاجتماعي.
لقد تناولت السينما المصرية دور الأب، في إطارين متباينين. جاء الإطار الأول ليصوره كرمز للسلطة والقوة والحزم، والثاني كمصدر للحنان والدعم العاطفي. في بعض الأحيان، يُصور الأب كشخصية معقدة تجمع بين هذين النقيضين، تارة معطاء وتارة أخرى قاسٍ. قدمت لنا السينما المصرية بعض الأمثلة الرائعة، حيث يظهر الأب كشخصية محورية ومؤثرة. في فيلم "السبع بنات"، والذي أخرجه عاطف سالم في عام 1961، يبرز حسين رياض في دور الرجل الذي يواجه تحديات الحياة وحيدًا في تربية بناته السبع بعد رحيل زوجته. يعكس أداؤه لدور الأب تباينًا رائعًا بين القوة واللطف، مُظهرًا كيف يمكن لأب واحد أن يملأ فراغ الأمومة أيضًا. تُظهر لنا الأحداث كيف يناضل هذا الأب ليوفر لبناته الأمان، والدفء الأسري، وكيف يواجه العقبات الاجتماعية التي تحيط بأسرة تفتقد للأم، ولكن لا تفتقر إلى الحب والعطف. يتجلى في الفيلم أيضًا مدى الجهد الذي يبذله لضمان أن تحظى كل من بناته بفرصة لحياة كريمة ومستقرة، مما يعكس الصورة الأصيلة للأب المكافح الذي يتعدى دوره الحدود التقليدية للأبوة.
على النقيض من ذلك، جاء الأب الصارم في فيلم "بحب السيما" و الذي أخرجه أسامة فوزي في 2004، ليظهر لنا رؤية عميقة ومعقدة لشخصية الأب المتزمت وكيف تؤثر معتقداته على علاقته بأسرته.
لقد قدمت لنا السينما المصرية أيضاً خير مثال لدور الأب في فيلمي "أم العروسة" (1963) و"الحفيد" (1974) لعاطف سالم. في "أم العروسة"، يقوم عماد حمدي بدور الأب الذي يعمل جاهدًا لتوفير نفقات زفاف ابنته في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. في "الحفيد"، يستكمل عبد المنعم مدبولي، دور الأب الذي لم يتوان عن مساعدة بناته حتى بعد الزواج وتحمل مسؤولياتهم المعنوية والمادية. ولكن هذه الأمثلة، مع كونها بارزة، تظل نادرة في مجمل الإنتاج السينمائي.
حان الوقت لإعادة التفكير في كيفية تصوير دور الأب في السينما المصرية. يجب أن تنطلق السينما برؤية جديدة تعكس الدور الحقيقي للأب في المجتمع، كما يجب أن تحتفي السينما المصرية بيوم الأب بأعمال تُعيد تقييم وتفسير دور الأب، ليس فقط كراعٍ أو معيل، بل كشريكٍ فعالٍ في تنشئة الأجيال. الأب، هذا العمود الفقري للأسرة، ما نفتقده،هو الظهور اللائق به في العديد من الأفلام التي تصدرت الشاشات المصرية عبر العقود،فبقي دوره في -كثير من الأحيان- محصورًا ضمن نطاق السلطة أو الإرشاد، دون أن يتسع المجال لتقديمه كنموذجٍ يُحتذى به في التعامل مع الأزمات أو كشخصيةٍ مركبةٍ تجمع بين الحنان والقوة.
الأب هو البطل الصامت الذي يُقدم الكثير دون انتظار الشكر أو التقدير، فعمله يتحدث عنه، وحضوره يُحسّ ويُرى. في الصمت، يترك الآباء بصماتٍ على حياة أبنائهم، كنجمٍ لا يظهر في سماء النهار، لكنه يُضيء دروب الليل. كذلك الأب، حضوره الصامت ينير حياتنا. 
حتى في غيابه، يظل تأثير الأب ملموسًا، إذ تظل حكمته وإرشاداته حية في قلوبنا؛ وإن لم ندرك ذلك دائمًا!  لكل من ترك فينا أثرًا، لكل من صنع من الحب دثارًا نتوارى تحته في ليالي العمر الباردة، نحتفي به فخورين، نحمله في قلوبنا، ونعتز بكوننا جزءًا من قصته.

-