قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات Sada Elbalad english
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

منال الشرقاوي تكتب : سحر أفلام الومضة

صدى البلد

في عالمنا المعاصر، حيث تتسابق اللحظات كأنها وميض برق، وحيث تلهث الأرواح وراء كل جديد ومبتكر، يبرز إلى الساحة الفنية نوعٌ جديد من السينما، يطلق عليه "أفلام الومضة". فن أفلام الومضة والذي يُعرف بالإنجليزية باسم "Flash Film" أو أحيانًا يُطلق عليه "Micro Film"، يشير إلى الأفلام القصيرة جدًا التي تعبر عن فكرة معينة أو قصة في زمن قصير للغاية. 

نشأت هذه الأفلام كظاهرة معاصرة، تتناسب ورغبات جمهور العصر الذي تتقلص فيه فترات الانتباه وتتزايد فيه الرغبة في استهلاك المحتوى السريع والمكثف. وإن كانت أمريكا وأوروبا هي مهد هذا الفن، إلا أنه سرعان ما انتشر في أرجاء المعمورة، معبرًا عن تفاعل الثقافة العالمية مع التكنولوجيا الحديثة. ولعل سبب ظهور هذا النوع من الأفلام يعود إلى الثورة التكنولوجية والرقمية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، حيث أصبح بمقدور الجميع تسجيل وتحرير ونشر المحتوى بسهولة تامة عبر منصات وظهور منصات رقمية مثل يوتيوب وفيميو، التي أتاحت للمبدعين فرصة عرض أعمالهم للجمهور العريض دون الحاجة إلى وسائط تقليدية. 

إن هذه الأفلام التي تتراوح مدتها بين ثوانٍ معدودات ودقائق قليلة، تجسد روح العصر بما فيه من تسارع وإيجاز.

حظيت أفلام الومضة باهتمام عالمي، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك فيلم "Fresh Guacamole" للمخرج PES، الذي رُشح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم "رسوم متحركة قصير" في عام 2013. هذا العمل المبدع، الذي يحول أشياء تبدو غير غذائية إلى مكونات أكلة الجواكامولي المكسيكية، بأسلوب طريف وذكي، يعكس براعة صانعه في استثمار الزمن القصير لتحقيق تأثير بصري وفكري عميق.

أما عن مستقبل هذا الفن، فأرى أن أفلام الومضة، برغم بساطتها الظاهرية، تحمل في طياتها إمكانات كبيرة للتأثير والاستمرارية. فهي تعكس الحاجة الملحة للتعبير السريع والفعال في عالم يزداد تعقيدًا وسرعة. وفي الوقت نفسه، توفر هذه الأفلام فرصة للتجريب والابتكار في مجال السرد القصصي وتقنيات الإخراج، ما يجعلها محط أنظار للمبدعين والمتلقين على حد سواء، لذا ، فأراه واعدًا -بلا ريب- . ففي ظل التغيرات المستمرة التي يشهدها المجتمع، ومع تزايد الاعتماد على الوسائط الرقمية، يبدو أن أفلام الومضة ستظل تحتل مكانة بارزة في عالم السينما.

إن الحاجة إلى التعبير السريع والمكثف ستظل قائمة، مما يضمن استمرار هذا النوع من الأفلام وانتشاره.
غير أن لهذه الأفلام، كما لكل ظاهرة، مخاطرها وتحدياتها. فالاختصار الشديد والاقتصار على الزمن الوجيز قد يؤديان إلى سطحية في المحتوى وفقدان للعمق الفني والفكري. كما أن الاستهلاك السريع والمتكرر لهذه الأفلام قد يعزز ثقافة الاستهلاك الفوري ويقلل من قدرة الجمهور على التأمل والتفكر. 
وهنا يكمن التحدي الأكبر: كيف يمكن لصناع أفلام الومضة أن يحافظوا على جودة أعمالهم ويضمنون تحقيق التأثير المطلوب دون الوقوع في فخ الاستعجال والسطحية؟

إن التحدي في أفلام الومضة يكمن في قدرة المخرجين والكتّاب على خلق تأثير عميق أو تقديم قصة مؤثرة في وقت قصير جدًا، وهذا يتطلب إبداعًا ومهارة فائقة. من هذا المنطلق، يُشاد بهذا النوع في العديد من المهرجانات السينمائية والمسابقات التي تعترف بالإبداع والتفرد في تقديم الأفلام القصيرة جدًا. كما أنه يفتح آفاقًا جديدة للمخرجين والكتّاب لاستكشاف أساليب سردية وتقنيات إخراجية يمكن أن تُثري المجال السينمائي بأكمله.

إن أفلام الومضة ليست مجرد تجربة فنية عابرة، بل هي انعكاس لروح العصر السريعة والمتغيرة. إنها تضعنا أمام تحديات جديدة في فن السرد والإخراج، تدعونا لنفكر ونتأمل في كيفية استثمار اللحظات القصيرة لتحقيق أثر طويل الأمد. إن أفلام الومضة تذكرنا بأن قوة الفيلم ليست في الطول الزمني بل في عمق الفكرة، وأن الجمال يكمن في التفاصيل الصغيرة التي قد تمر بسرعة البرق ولكنها تظل محفورة في الذاكرة.


-