قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

«ديجافو».. مسرح المتعة النفسية!


منذ بدء الخليقة، و"آدم" يبحث عن ذاته ويصارع شهواته ويدفع ثمن أخطائه واختياراته .. منه خرجت الجريمة وسارت فى مشوارها عبر قطار البشرية، وظهر من نسله من اشتهى "تفاحة" الشجرة المحرمة، وخضع بضعفه لإغواءات الشيطان وتفاصيله المرعبة .. ولنا فى عصرنا ملايين "آدم" عبرة وعظة ودروس التاريخ التى لاتتوقف ولاتنقطع.. ولماذا فعلها آدم وارتكب حماقته؟! .. هنا يحين دور المبدع ليخترق "عقل" الإنسان الذى كرَّمه الخالق وميَّزه عن باقى الكائنات بأكبر تاج، ولكنه نزعه عن رأسه واستسلم لرغباته الزائلة ونفسه المشبعة بالغرائز والرذيلة ..

وكان هذا المبدع هو المخرج الموهوب أحمد فؤاد العاشق للغة المسرح فى تشريح هذا العقل وقراءة ما يدور فى ثناياه وصندوقه الأسود لمعرفة إجابة السؤال العريض .. ومع عرضه الأخير "ديجافو" عن نص "إثبات العكس" للسويسرى أوليفيه شاشيارى، كان الموعد على خشبة مركز الهناجر للفنون؛ حيث ظهرت العلبة الفارغة سوداء .. مظلمة .. غامضة .. خالية من اللحم والدم والمشاعر والأفكار .. ثم بدأت رحلة الاستكشاف .. وتتبع الحقيقة .. خرج البطل من غرفته الداخلية بإضاءتها الخافتة إلى أرجاء "العقل المرتبك" فى صورة بيته الذى يحتله فى كل لحظة ضيوف وغرباء .. وجيران وأصدقاء .. وأيضا أعداء .. وعند لقائهم تتفاعل الإضاءة الذكية فى الفضاء المسرحى مع حوار الممثلين وتداخل "الحقائق" فى ذهن "آدم" لتتصاعد حيرته وتتفجر ذاته أمام عينيه؛ فيرى وجهه الحقيقى فى النهاية أمام شعاع النور المتوهج والنافذ إلى تحت جلده!.

حالة نفسية شديدة التركيب ومثيرة لمشاعر وتفكير المتلقى .. فيتشوق للاندماج مع فريق العمل ليصل إلى مراد الفكرة .. ويبحث مع حساسية الإخراج وحيوية الإيقاع عن "آدم" والتيقن من ذنبه أو براءته مما هو منسوب إليه من جرائم وخطايا، وإذا لم يكن هو .. فمن يكون من بقية الضيوف والزائرين؟! .. إنها لعبة مسرحية جهنمية قرر الشاب "فؤاد" رسمها بديكور ثابت يجسد "عقل آدم" بمناطقه المكبوتة فى العمق، ومساحاته المتنوعة فى بقية أركان الشقة للدلالة على مايحدث بها من صراعات ولحظات تكشف تمهد للحقيقة الضائعة .. ولم يكن يحتاج المخرج إلا لخطوط حركة سريعة ومتقنة مطعمة بطاقة تمثيلية حاضرة ويقظة وقادرة على فهم تفاصيل "حدوتة آدم" وخيوطها المتشابكة، وتمارس الإضاءة الثرية دورها المحورى فى إبراز العقدة الأساسية ونقلها من مرحلة درامية لأخرى فى سيولة النهر، ونعومة الثعابين ليغوص "آدم" أكثر وأكثر داخل أعماقه .. وبالتالى تعمد المخرج الواعى ترشيد المؤثرات الموسيقية لتخدم الحالة دون إسراف وتترك العنان لأهم عنصرين فى هذه النوعية من النصوص المسرحية .. "الممثل والإضاءة"!.

ولا مجال للانتصار فى هذا التحدى إلا بـ "ذخيرة" من الممثلين الذين يمتلكون أدواتهم من تعبير وصوت وإيقاع داخلى لترمومتر اللحظة الدرامية فتمتلئ المساحة الخالية طاقة وبهجة وحياة .. وهكذا تفوق أحمد السلكاوى فى اتجاه الشخص الأنيق مظهرا، والوضيع سلوكا واتسم تجسيده لهذا النمط الإنسانى بعمق فى التناول والتنوع المدروس بين النقيضين .. بينما لمع محمد يوسف فى منطقة "الصعلوك" والضيف الخفيف فى تصرفاته وهفواته، وسطع حسه الكوميدى الرفيع بتوظيف نظراته المخيفة على نحو يجعل المتفرج شغوفا بعدم مغادرته المسرح .. ومن ضمن المفاجآت السارة ولادة وجه موهوب مثل رحمة أحمد تتمتع بقماشة نادرة ومبشرة ويمكن تطويرها مستقبلا لتتمكن بسهولة وبساطة من أداء أى دور يُسند إليها بما تمتلكه من جرأة وذكاء وسرعة بديهة.

وتنضم إليها أيضا بسمة ماهر بتشخيص المرأة الحسناء دون تورط فى إيماءات فجة أو مبالغة متوقعة فى هذا اللون من البشر، وإنما التزمت بـ "أناقة التعبير" عن الإغراء والتركيز على مضمون الحدث الرئيسى وعدم الانسياق وراء إضحاك الجمهور عنوة .. أما "البطل آدم" فالتصفيق الأكبر كان من نصيب الصاعد تامر نبيل الذى تنطق نظراته العميقة بحالة التخبط داخل العقل المُنهَك بالبحث عن الحقيقة، وتتناغم حركات الجسم بإخلاص مع طبيعة الضيوف المقتحمين لخلوته، حتى وإن بدت العصبية جزءا من الأداء وأسلوب التشخيص، ومن ثمَّ وجب نصيحته وإرشاده بسرعة تفادى هذا الخط التمثيلى تحسبا لتأثر موهبته المتوهجة بـ"إكليشيهات" معروفة وتقليدية، ولكى يستطيع أن يحافظ على تميزه وفرص اللحاق بصفوف "النجوم الكبار"!.

- كنا جميعا نبحث عن "آدم" وراء الباب المغلق بإحكام على عقولنا وأسرارنا .. وقمة المتعة المسرحية فى الإبحار النفسى بطاقم عمل محترف مُسلَّح بخبرات فنية، وتحت قيادة "قبطان شاب" صاحب فلسفة ورؤية!.