فى لحظات الخلوة الظريفة، تخطفنى زوجتى وشريكة الحياة بلقطات عابرة لفيديوهات على يوتيوب أو إنستجرام أو صفحات فيسبوك، مرة لسيدة ترتدى مجموعة من الملابس التى تحمل ماركة بذاتها وتروج للبضاعة كما لو كانت عارضة أزياء محترفة، وتارة لشخص يتذوق سلسة وجبات شهية ويستخدم معدته وسيلة دعاية مربحة لأحد المطاعم أو المتاجر، وشخص آخر يستنشق عطورا متنوعة موظفا حاسة الشم الساحرة للإعلان المجانى عن شركة كبرى تستهدف الزبائن أو العملاء، وتجرأت وسألت: "من السادة المحترمون؟!"، فما كان أمام زوجتى إلا كلمة مختصرة تنطقها فى دهشة من براءتى ممتزجة بسخرية لاذعة: "blogger . influencer" ثم تتجه إلى ممارسة عملها البطولى كربة منزل وتعكف على مشروعها الطموح لتصميم الإكسسوارات والارتقاء بالذوق العام فى صمت وكبرياء!
وتتركنى أفكر وأسبح بخيالى فى تلك الوظائف والمهن المستحدثة التى سخرتها لنا مواقع التواصل الاجتماعى، وأرى اليوم الذى تندثر فيه قيمة الإنسان فى العمل والإنتاج وتقديم شيء مفيد للآخرين، وتنتشر فى المقابل صفة وهمية لأشخاص كل إمكانياتهم أنهم يمتلكون الجرأة والتفاهة فى استغلال حواسهم وأجسادهم وملذاتهم فى منطق التسويق والتجارة عن بعد وعبر الفضاء الافتراضى دون أدنى جهد أو عناء أو عرق ليحصدوا تحت اللافتة العريضة فى إجابة السؤال آلاف الجنيهات والهدايا نظير الدعاية المُطيعة لمنتجات أي كيان أو مؤسسة.
وإذا كان هذا المكسب السريع والسهل مستفزا لملايين الكادحين والفقراء المناضلين من أجل حفنة قروش بعد ساعات من التعب والشقاء، فهو ينطوى على دلالة اجتماعية شديدة الخطورة والخجل، تتمثل فى إقبال مرتادى الإنترنت على هذه الصفحات الملعونة والتفاعل مع هؤلاء "المدونين" بفيديوهاتهم الرخيصة.. وتبلغ المهزلة ذروتها بظهور لقطات لأشخاص يمارسون الابتذال بالنظرة أو الكلمة أو الإيحاءات الجنسية طالما أن نسب المشاهدة مرتفعة وأعداد الـ "followers" تتضاعف وتتكاثر ولا عزاء للحياء أو مكارم الأخلاق التى صارت "موضة قديمة" ومظهرا من مظاهر التخلف الحضارى!
رحم الله رجلا مثقفا أدى وظيفته كباحث فى التاريخ إلى جانب كونه صحفيا بارزا وظهر على الشاشة الصغيرة ليقدم معلومة ثمينة فى دقائق معدودة، وآخر عالما متبحرا فى الدين يكتفى بمقعد بسيط أمام المتفرج ويروى عليه حواديت علمية وإنسانية مثيرة تغذى العقل وتلهم الإيمان، وثالثا يستثمر طاقته وخبراته فى التدريس وتعليم الأجيال ليشرح الأشياء الصعبة على الفهم ويقطع الطريق على مصاصى دماء "الدروس الخصوصية"، وشيخا جليلا يتخذ من جلسة المسجد ودور العبادة منبرا للفقه وتفسير صحيح الدين بما يخدم البشر ويعمق من عقيدتهم ويهذب أخلاقهم وسلوكهم!
هل كان من الممكن أن يختلف مصير المجتمع إذا ما حظيت هذه النماذج المضيئة بنفس الإقبال والشعبية على السوشيال ميديا وفازت بنصيب الأسد من المتابعة والاهتمام الجارف؟! من المؤكد أن نمط الحياة سيختلف ودرجة الوعى بوسعها أن تنقذنا من "ملوثات" من لا عمل لهم ولا دور!
بعد ثورة يناير طفا على السطح ألقاب "الناشط السياسى" و"الخبير الاستراتيجى"، والآن سمعنا عن مِهن وهمية وخرافية وفرت أموالا ولم تصنع أعمالا، ولا مخرج من هذه الدائرة المشبوهة إلا بتقدير الكائن المفيد ونبذ المستفيد!