قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

«الكنز» فى رحلة «المتفائل»!


اشتهر المسرح القومى بقيمة الكلمة، حيث كان النص المكتوب هو محور مباراة الأداء التمثيلى بين أبطال العمل لنكتشف مع كل تجربة فنية على الخشبة العريقة نجوما وعلامات فى ملكة التشخيص وإتقان الدور .. ومرت أجيال ليستوعب المسرح القومى باختلاف قياداته أفكارا جديدة ورؤى إخراجية أكثر مرونة وتميزا فى مقدمتهم كشاف مركز الإبداع الفنى الدكتور خالد جلال بعرضى "تحب تشوف مأساة" للكاتب الراحل لينين الرملى و"الإسكافى ملكا" لمبدع السير الشعبية يسرى الجندى .. وكانت بصمات "جلال" مؤثرة فى تغيير لون واتجاه المسرح القومى لتتضافر اللوحة البصرية مع لغة الحوار وتفرز الخلطة السحرية "تابلوها مسرحيا" شديد الثراء والإبهار.

ولأن للأستاذ تلاميذ نجباء يستلهمون منه الطريق ويشربون من نهر خياله وفيض ثقافته وحسه الفنى، فلم يكن غريبا على المخرج الموهوب إسلام أمام أن يوقع باسمه فى لوحة شرف "المسرح القومى" وينضم إلى كتيبة المخرجين الكبار الذين أناروا أضواء الأزبكية بعروض تمزج بين القيمة والمتعة وتجمع بين الكلمة والفكرة .. ومن خلال لمسات "إمام" على نص "كانديد" للأديب الفرنسى فولتير رسم خطوطا مسرحية بديعة لرحلة الفتى الصعلوك خارج القصر الملكى فى فرنسا الذى عاش بداخله منبوذا، وخرج منه مطرودا، وطاف حول العالم شريدا حالما بالحب المفقود والسعادة الضائعة .. ولكنه التزم بخيار "التفاؤل" واكتشاف الذات، واصطدم بصخور الواقع تارة، وعثر على من يُقدر العطاء ويقدس الإنسان تارة أخرى، وعايش آلام المحرومين وضحى بسعادته المنتظرة من أجلهم تارة ثالثة .. وفى كل محطة يتوقف عندها البطل ذو "القلب الوسيم"، يترجم المخرج لحظات معاناته وصراعه الفلسفى مع الآخر فى سينوغرافيا غنية بالتفاصيل من إضاءة معبرة أتقنها أبو بكر الشريف لينتعش جو كل حالة على حدة، فتشعر بالبهجة فى منطقة، ويغمرك الحزن والألم فى منطقة تالية، ويتسرب إليك شعاع التفاؤل فى منطقة درامية لاحقة وبما يخدم إيقاع العمل والتشوق لرؤية المزيد من المشاهد والرسائل حتى لحظة تحية الجمهور وتشبعها بالطاقة والحيوية والحضور الطاغى.


وتتناغم الإضاءة مع ديكور حازم شبل الرشيق مطعما بملابس نعيمة عجمى المبهجة ومكياج إسلام عباس المدروس ليرتقى العرض بعين وذوق المتفرج، ويجلس مُغرَمًا بأناقة "الشاشة المسرحية" .. وتكتمل سيمفونية العمل بألحان المايسترو هشام جبر المغذية لهذا الكرنفال بعد أن وظف قدرات الممثلين الصوتية والتعبيرية لإتقان أشعار المبدع طارق على، ثم تضافرت مع الآلات النحاسية والإنسانية استعراضات تنطق بالمهارة والحرفية من إمضاء المصمم الشقى ضياء شفيق.

وبداخل لعبة مسرحية على هذا المستوى من البلاغة والتنظيم، لايملك الفنان الجاد إلا قبول شروط اللعبة والالتزام بأن يكون "ترسًا نشيطًا" فى إنتاج العرض .. وتمكن الصاروخ سامح حسين من إضفاء البسمة على شفاه الحاضرين بوعيه الكوميدى الناضج وسرعة التفاعل مع مقاعد المتفرجين مستغلا طبقات صوته المهرجة ونظرات عينيه المختلفة، واستطاع ببراعة أن يرتدى ثوب "بطل العرض" القادر على الفوز فنيا وتجاريا، رغم التحفظ على بطء الإيقاع ورتابة الأداء فى بعض المشاهد الخالية من تأثيرات السينوغرافيا والمعتمدة كليا على إحساس الممثل وعبارات الحوار، وأتصور أن علاج هذا الثقب فى ليالى العروض المقبلة يمكن أن يزيل الرتوش من اللوحة الجميلة.

أما سهر الصايغ فبقدر ما كانت اكتشافا مذهلا على الشاشة الصغيرة بأدوارها المتنوعة وفهمها الصادق لكل شخصية أُسندت إليها فى الدراما التليفزيونية، بقدر ماكتبت شهادة ميلاد "نجمة مسرح" قادرة على امتلاك أدواتها من حس مرهف وطاقة كوميدية متفجرة وأداء غنائى وحركى يحمل مواصفات "الفنانة الشاملة" .. ولا غنى فى مائدة نجوم العمل عن "فواكه" تفتح شهية المتلقى وتغذى روحه ووجدانه، ولم يكن هناك أجمل من يوسف إسماعيل وسوسن ربيع وعزت زين وآيات مجدى لنستمتع بمذاقها اللذيذ مع مجموعة متألقة ومحترفة من شباب الممثلين والراقصين !.

- قالها البطل "كانديد" فى مشهد الختام : "الكنز فى الرحلة وليس الراحة" .. وفى رحلة "المتفائل" الشيقة فاز الجمهور بعدة "أرباح" رفعت كثيرا من رصيد وتاريخ المسرح القومى .. وظهرت "كنوز" عناصر الإخراج وفريق العمل بأسره ليرتفع سعرها وتتساوى فى قيمتها ومكانتها مع "كنز" النص والكلمة .. وبفضل هذه الجواهر لن تنطفئ "شعلة المسرح" أبدا!.