عشت أجمل أيام حياتى خلف أسوار القلعة البيضاء بميت عقبة، ومنذ أكثر من ٣٠ عاما وكل علاقتى بنادى الملوك هى ممارسة هواية كرة القدم مع الأصدقاء من الأعضاء على الأسفلت، وعندما مرت بنا الأيام نحو المرحلة الجامعية ارتدنا ممر النادى وعلى جانبيه كتل رملية وأشجار ذابلة وموائد ومقاعد عفا عليها الزمن ونخر فيها السوس، ووسط هذا المستوى الاجتماعى المتواضع لم تتوقف نغمة الانتصارات الكروية وتعالت أصوات المدرجات لقدرة الفريق الأبيض علي المنافسة الشريفة وإحراز البطولات!
وتحول أسفلت الملاعب إلى مساحات خضراء، واتسع الممر الضيق إلى فضاء يستوعب أكثر من أسرة، وصارت الكتل الرملية الصفراء حدائق منيرة، وأصبحت المبانى المتهالكة قاعات نظيفة وأماكن مريحة لكبار السن، ولكن الجماهير اختفت وزئيرها فى الملاعب غاب، ونزيف النقاط فى كل مسابقة يطارد أى جهاز فنى وبورصة الصفقات بالملايين لا يوازيها كؤوس فوز أو دروع نصر مثلما شهدناها فى الماضى أيام عبده نصحى والثعلب حمادة إمام، والمعلم حسن شحاتة، ثم فاروق جعفر وإبراهيم يوسف ورفاقهم، وصولا إلى حازم إمام الابن وفريق الأحلام فى التسعينات وأوائل الألفية الثالثة!
إن التغيير الذى طرأ على نادى الزمالك أصاب القشرة فقط ولم ينفذ إلى الجوهر، ولم تلغِ مظاهر الإنفاق الباذخ على الجانب الاجتماعى والخدمات المقدمة للأعضاء سلوك العشوائيات الذى مازال يحكم العديد من الأسر ويطغى على أسلوب الإدارة فى التعامل مع المواقف والأزمات، وهو ذات الأسلوب الذى يدفع ثمنه عشاق القافلة البيضاء من أعصابهم ومشاعرهم عندما تتوالى الهزائم وتتكرر حلقات الانهيار، بينما صغار اللاعبين يحصلون على أرقام فلكية وسيارات فارهة وشقق فى أرقى المنتجعات ولايسعدون الجماهير بـ "مليم" واحد من ثرواتهم "الحلال"!
لم يكن هذا هو الزمالك الذى نعرفه ونفتخر بمنافساته ومهارات لاعبيه وولاء أبنائه، وأكبر خطأ أن نختزل المسئولية فى تدخلات الإدارة السافرة أو ممارسات المسئولين الأبعد ما تكون عن الاحتراف والرقى، وإنما هو خطأ أيضا من يرتدى القميص الأبيض ويجب أن يحترمه ويقدره ويتخلص من "فيروس" الاستهتار والإهمال والتقصير فى الأداء، واللاعب الشريف هو من يتجاهل المؤثرات الخارجية ويفصل تركيزه داخل المستطيل الأخضر عن أى ضغوط أو متغيرات، خصوصا أن هذا اللاعب الآن يتقاضى أضعاف ما كان يحصل عليه النجوم الكبار وُصنَّاع البهجة!
إن قافلتنا البيضاء تسير فى ظلمات، وبلا دليل، ولامجال لإنقاذها من الضياع إلا بإدارة علمية وأقدام شباب تتحلي بروح العطاء وثقافة الفوز، وعقول واعية تشرف على الرياضة وتعكف على إنتاج واكتشاف مواهب جديدة وصاعدة من قلب النادى قبل التفكير فى استعارة السلع الجاهزة، وهنا يستطيع كل زملكاوى أن يقول: "نحن قادمون"!