كان من الممكن أن أنتظر لحين انتهاء البطولة الأفريقية للشباب بالقاهرة ولحظة التتويج بالكأس والتأهل لأوليمبياد طوكيو ٢٠٢٠، ولكن ما نسجله اليوم يتجاوز حدود البطولة التى ما هى إلا مرحلة أولى فى مشوار تكوين منتخبنا الوطنى واسترداد هيبته وأمجاده غير المسبوقة!
ويقود تصفيات الشباب حاليا أحد رواد الفضاء الذين حلقوا فى سماء الكرة المصرية واكتشفوا مواهبها وأبرز لاعبيها الصاعدين، وبالتاريخ والأرقام، ترسخت أقدام "المحلاوى" شوقى غريب فى عالم التدريب وصنع اسمه بالإنجازات والبطولات وصناعة النجوم، وكانت ضربة البداية فى مونديال الشباب بالأرجنتين عام ٢٠٠١ عندما تحدى أبناء "غريب" تحت ١٧ سنة الهزيمة الثقيلة فى الدور الأول بسباعية مُذلة، وتوقع المدرب المشانق المرفوعة للجهاز الفنى والفريق فى القاهرة فور عودتهم، ولكن "الفلاح الصبور" آمن ببذرته ونواتها الطيبة فجلس إلى أشباله وخاطب طموحهم وإصرارهم على الفوز ليخوض بهم المباراة الأصعب ويصعد إلى الأدوار التالية وصولا إلى المربع الذهبى وحصوله على الميدالية البرونزية والمركز الثالث فى العالم.
لم يستسلم المدرب الوطنى لضغوط الحاقدين وشماتة الفشلة، وانتقل من بطولة لأخرى حاصدا المزيد من الجوائز وأوسمة التفوق، والأهم تعزيز الثقة فى نفوس لاعبيه وتربيتهم على فلسفة الانتصار ومذاق الفرحة، وطرحت البذرة ثمارها فى جيل من الموهوبين فنيا وأخلاقيا ليتم تطعيمهم بعناصر الخبرة والمهارة، ونفتتح معا فصلا مثيرا ومبهرا من تأليف المعلم حسن شحاتة بالتعاون مع "غريب" وبقية جهازه الممتاز حمادة صدقى وأحمد سليمان لتسير مصر فى درب الأرقام القياسية وتنتزع كأس الأميرة الأفريقية ٣ مرات متتالية فى مشهد من الصعب تكراره على مدار تاريخ اللعبة!
وبدراسة وتحليل أسباب توهج اللاعب المصرى فى ١٠ سنوات منتظمة، نعود دائما إلى "الرأس"، العقل الذى يدير المجموعة ويرسم الطريق ويضع الخطة ثم يمتلك أدوات التعامل مع تركيبة أبنائه وتطويع مهاراتهم وإمكانياتهم بالإضافة إلى إيجاد الحلول والبدائل الفنية عند مواجهة المنافسين، وتلك النقطة مصدرها متابعة البطولات العالمية باستمرار والحرص على تنمية الوعى التدريبى بمزيد من المحاضرات والكورسات المتطورة فيما يتعلق بقواعد وفنون اللعبة، ولنا فى نماذج الدورى الإسبانى والإنجليزى والألمانى على سبيل المثال لا الحصر أسوة وعظة ودروس.
إن التدريب فن له أصول ومبادئ، ومن يتقنها يضمن البقاء وامتلاك قلوب الجماهير ومازلتُ مقتنعا ومؤمنا بموهبة شوقي غريب وجدارته بقيادة الشباب من واقع تجربته الخصبة ونتائجه المشرفة، ومن الإنصاف مساندة الفلاح المصرى فى مشروعه الذى بدأه منذ ١٨ عاما وارتضى أن يكون الرجل الثانى طالما أن أبناءه يعزفون نغمة النصر ويحققون الهدف، ومن الذكاء أيضا زرع العضو المناسب فى مكانه وتوفير الصلاحيات والمناخ ليواصل تفوقه، ومكان "غريب" مع البراعم وتشكيلهم فى فترة التكوين، وبعد الإعداد الجيد والتأهيل النفسى والبدنى المتكامل، تنضم العناصر الواعدة إلى صفوف الكبار ويمتزجوا معا لتشكيل منتخب وطنى يعتاد الانتصارات ويودع الانكسارات!