من قلب المحنة .. ينبض الأمل وتولد الفكرة .. ولم يكن الزميل الصحفى الشجاع محمد الجارحى إلا كتلة من الألم تتحرك على الأرض لفقده ابنه ذى العامين بضمور فى المخ، ولم تفارق خيال الأب صورة الابن البريء راقدا على فراش الموت داخل مستشفى خال من الرعاية ولا يعرف كيف ينقذ المرضى سواء من محدودى الدخل أو الفقراء المعدمين!.
وتحولت الصورة فى ذهن "الجارحى" إلى طاقة إيجابية وشعاع ضوء دفعاه إلى التفكير بجدية فى بناء مشروعه "الحلم" .. مركز طبى على أعلى مستوى من الكفاءة المهنية والتجهيز لعلاج الفقراء بالمجان .. ولأن الأزمة الشخصية حدثت فى عام ٢٠١١، وسط مشاعر تحركها دوافع التغيير والثورة على الظلم الاجتماعى والفساد السياسى .. وقع الاختيار على " ٢٥ يناير" ليكون اسم الصرح المنتظر .. وقرر ابن الشرقية ومهنة المصاعب والتحدى بدء المشوار لتحقيق الهدف .. فقاد بدراجته النارية حملة تبرعات من أهالى المحافظة لجمع أموال شراء أرض المشروع ووضع حجر الأساس .. وركب مع عم أبو يوسف سائق "تاكسى الخير" ليتجول فى المناطق والأحياء بحثا عن الدعم الشعبى بديلا عن غياب الحكومات واختفاء أصحاب القرار والمسئولية عن الحدث الإنسانى الفريد.
ولم يتردد "الجارحى" على مدار سنوات دون يأس أو كلل فى طرق كل باب لميلاد ابنه الجديد .. مستشفي ٢٥ يناير .. فأطلق النداءات على تويتر ومواقع التواصل الاجتماعى .. وتحمل السخافات وسخرية البشر وأعداء العزيمة وتشبث باستجابات البسطاء إلى أن بلغ صوته الأغنياء ليتحرك أحدهم ويبادر الملياردير نجيب ساويرس بالمساهمة المادية من ثروته إيمانا بأهمية وعظمة المشروع لتوفير غطاء صحى واجتماعى شريف لكل مريض فقير!.
ويستعد المولود للخروج من "حضَّانة" التجاهل الإعلامى ودور الدولة الغائب .. ويكبر الآن بفضل الجهود الذاتية وإصرار صاحبه "الجارحى" الباسل متغلبا على أحزانه ومترفعا عن التوسل والتسول بأساليب الإعلانات الملتوية .. والكيان فى وضعه الراهن يحتوى على ٤١ سريرا و ٢٩ حضّانة وغرفتين للعمليات وغرف للرعاية المركزة، فضلا عن الاستقبال والطوارئ بـ ٢١ عيادة خارجية .. "ولسه مكملين" .. وإذا كانت أعين الكبار نائمة عن متابعة تفاصيل المبادرة ومساندتها وقت الاحتياج، فالأحرى بالقيادات حاليا مد يد العون وتسهيل ما تبقى من إجراءات وأشياء بسيطة لاكتمال الفكرة وخروج الحلم إلى الحياة .. ولا يوجد أهم من هذا التوقيت ليلقى "الجارحى" وفريقه من مجلس الأمناء والمتبرعين بجهدهم وعرقهم الحماية الكاملة والسريعة بمساهمات المؤسسات الكبرى وشركات رجال الأعمال، فضلا عن وسائل الإعلام الرابحة من تجارة الإعلانات و"بيزنس" الدراما .. حتى وإن اقتضى الأمر تدخل أكبر رأس فى الدولة للمشاركة والضغط على كل هذه الهيئات والجهات لتصبح جزءا من هذا الحلم بعد أن أوشك على الانتهاء بسواعد أبنائه المخلصين!.
إن "مستشفى ٢٥ يناير" مشروع قومى بامتياز .. وأساسه العمل بكرامة وشرف ودون تفريط فى كبرياء رواده من أجل المال أو الشهرة الزائفة .. وإذا ما وهبنى الله فرصة رئاسة لجنة التحكيم فى السويد لمنحت المبادرة .. ودون تردد أو مجاملة .. جائزة "نوبل" للسلام عرفانا بقيمتها ونبل رسالتها فى حفظ أمن وصحة الإنسان من أكثر الحروب شراسة وضراوة .. حروب الفقر والمرض التى تفوق خسائرها ما ينجم عن رصاص الأسلحة وبارود المدافع!.