للسياسة رجالها.. وكهنتها.. والنوع الأخير فنان فى استغلال الدين واستخدام دستوره لخدمة السلطة والوصول إلى الغرض .. وأخطر ما يهدد المجتمعات أن تمتزج إدارة الدولة بالميول الدينية والتفسيرات القائمة على الأهواء الذاتية، لاسيما وأن الإمبراطورية الإسلامية منذ عهود الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم" والخلفاء الراشدين رضى الله عنهم تفوقت فى الجمع بين السياسة والدين بما يحقق المعادلة الصعبة من إقامة دولة القوة والعلم والقانون مع سيادة العدل والتقوى وسمو العقيدة!.
وبعد قرون عديدة، سادت الفتنة وضعفت الهمة وخرجت الفئران من جحورها عندما انشق الصف الإسلامى وسيطرت شهوة الحكم على القطاع الأعظم من الخلفاء وملوك "عرش" السلطة .. وتراجعت السياسة وجرى اختزال الدين .. ليظهر "دين السياسة" فى صورة نماذج مشوهة تبارت وراء ستار الإسلام لتنشر الفساد وتزرع الخوف وتُرهب من يختلف معها ويروج لعكس ما تعمل على تسويقه وترسيخه .. وكان هذا هو الدافع الذى حفَّز الكاتب المسرحى المثقف محسن يوسف للإبحار فى "كهوف" تلك الخفافيش الظلامية التى ارتدت قناع الدين وتحركت به نحو أهدافها وضرب روح العقيدة فى مقتل .. وسار كاتبنا فى رحلته داخل كتابه الأخير "دين السياسة" فى كل كهف ليكتشف الحقيقة وينزع القناع عن كل وجه مزيف بالأدلة والبراهين القرآنية والنبوية التى تفضح المدعين والمنافقين تارة، وتبرز عظمة الدين وعمق رسالته ونبل رواده وشرفائه منذ فجر الإسلام تارة أخرى!.
وصاحبنا الكاتب بقلمه المسرحى الجذاب داخل كهف أحاديث الرسول التى رواها البخارى وساقها إلينا بالتفنيد والتحليل المنطقى لتفاصيلها وأبعادها وفقا للفهم العقلى للأشياء.
ومع كل قراءة للأحاديث المثيرة للجدل ينمو الاقتناع بقيمة ودور العقل فى تقوية بنيان الإسلام والارتقاء بأحوال الرعية وضمير الراعى وحاشيته
. ويتوقف الكاتب عند مجموعة من الأحكام والأقوال الصادرة عن نبى الرحمة والعدل وتحتاج إلى وعى فى تفسيرها وبيان مقصدها، واستنادا لآيات الذكر الحكيم يعد العقل هو البديل الوحيد والمرجع الأول لإزالة أى لبس أو غموض حول تعاليم ومبادئ أى دين وليس الإسلام فحسب .. والعقل يكتب لغة "احترام الأديان" وقبول الآخر واستيعاب أية عقيدة أخرى!.
ودارت بنا "عقل الدين" فى كهوف أخرى عبر فصول الكتاب لنتعرف على أصول المسيحية واليهودية والبوذية والديانات المعاصرة وتشابكها مع فلسفة وروح الإسلام .. ومن هذه القوالب خرجت أسماء أثارت علامات استفهام كبرى ورغب "يوسف" فى رفع الغطاء عنها وكشف مسئوليتها عن تلويث "ثوب" الدين الناصع بـ "بقع" السياسة السوداء .. ووضع الكاتب المعلومات عن أبطال رحلته .. كل بطل فى كهفه الذى سكنه وصنع منه مسرحا خاصا سريا لممارسة طقوسه وغرس أفكاره، فتصل إلى الشباب وتغسل عقولهم وتشكل عقيدتهم فى اتجاه الهدم والتدمير وقتل الروح قبل الجسد .. وما الإرهاب والجريمة المنظمة فى أحدث النسخ إلا نتاج لميراث تاريخى من صنع "دين السياسة" المكتوب فى صحف "عبيد المال والسلطة"!.
وتعددت "كهوف" الكاتب الجرئ ما بين زمان ومكان لنخرج فى نهاية كل فصل بـ "سراج" العقل .. ومنه تتجلى الحقيقة ويعلو صوت أفضل وأطهر "خطاب دينى" فى الحياة .. وإذا كان الكتاب قد سقط فى أخطاء لغوية ونحوية مُلفتة مما اقتضى مراجعة أكثر دقة قبل النشر احتراما لقيمته الدينية والفكرية، فهذا لاينتقص من قدره وشرف مضمونه وما تنطوي سطوره من غزارة المعلومات ودسامة المراجع .. وهكذا اقتحم محسن يوسف تابوهات محرمة ليحذرنا جيلا بعد جيل من الانسياق وراء "دين السياسة" .. والاستسلام لـ "كهوف" الجهل والتخلف!.