لا يرتبط شهر رمضان بالعبادات وتجنب الموبقات، وإنما يُنظر إليه كفكرة إنسانية تكتسب عظمتها من انتصارات صاحبت أيام هذا الشهر الجليل وسجلها التاريخ ضمن بطولات "الجندى الصائم" .. بطولات وأمجاد صنعها خير أجناد الأرض على مر القرون .. وكتبت دماء وسيوف المسلمين الأوائل العنوان الأول لفصول إعلاء كلمة الإسلام ونصرة نبى الرحمة والعدل محمد صلى الله عليه وسلم، وتصدرت معركة "بدر" الباسلة فى "١٧ رمضان" أساطير الحروب وملاحم شرف القتال بـ ٣٠٠ فارس مسلم ضد ١٠٠٠ من قبيلة قريش الكافرة، وبإصرار وجلد وقوة الإيمان مع الذكاء الفطرى تحقق النصر وجنى المسلمون ثمار التفوق على المشركين وبدأوا مشوار الدعوة الإسلامية التى نعيش الآن على روافدها وكنوزها!.
وقرر المسلمون تحت قيادة الناصر صلاح الدين الأيوبى تكرار المعجزة تدليلا على روح "الجندى العربى" رغم عناء الصوم ومشقة العطش ليحرروا بيت المقدس من أطماع ومؤامرات الحملات الصليبية، ويستلهم أهل القاهرة النموذج فى "عين جالوت" ليقهروا فى شجاعة وجسارة جحافل التتار المشبعة بالإجرام والبربرية الهمجية .. ويعلو صوت الإسلام مدويا فى العالم ويرفع معه راية "أمجاد رمضان" ونفحاته فى الميدان!.
وتتجلى روعة العسكرية المصرية فى مواكبتها لكل عصر وتفاعلها مع تطوراته، ويحتل "١٠ رمضان" أبرز صفحات وأوراق الأكاديميات العالمية لتدريس فن الحرب والتمويه وفلسفة هزيمة أشد الأعداء خصومة وأكثرهم خطورة وتنظيما .. عندما نجح الجندى المصرى فى عبور قناة السويس عام ١٩٧٣ وتحطيم خط بارليف وتحرير سيناء من قبضة الجيش الإسرائيلى .. عبر وحمل السلاح فى عز الظهر تحت الشمس الحارقة فى توقيت بارع يقف وراءه خيال قائد وخطة رجال عسكريين من طراز نادر .. قال "الله أكبر" بفمه المشقوق دون قطرة ماء تبلل حلقه، واستمد من صيامه قوة مضاعفة لبلوغ النصر وتطهير الأرض وترسيخ عقيدة الإنجاز والإنتاج بلا طعام أو شراب، والتسلح داخل الخندق بالصبر والعلم والعمل قبل البندقية والدبابة ومقاتلات السماء!.
قصص وروايات مُدهشة لا تنتهى أبدا من سردها على الأجيال ليتعلموا وينهلوا من نهر "جنودنا" الغزير بعطائه ومعجزاته .. وها هو رمضان العظيم يروى حياتنا ويُقدِّس تاريخنا بعرق ومشاهد التضحية والفداء .. ويُنير طريق الفلاح والعزة بـ"سراج" الصوم وفوائده .. وبعد أن شاهدنا جندى الحرب والميدان منذ فجر الإسلام صائما متعبدا يتحدى الأهوال والصعاب ويطيح برؤوس الطغاة فى أقسى الظروف، أفلا يستحى من ينعمون الآن بالسلام والهدوء دون رائحة موت أو صوت رصاص أو أسنة رماح؟! .. ألم يحن الوقت لنرى روح الصيام ونستنشق عبيرها داخل مصالحنا الحكومية وأسواقنا وأماكن عملنا؟! .. هل يعم سلوك الصائم عباداتنا ومعاملاتنا ويُهذِّب أخلاقنا ويحمى ضمائرنا؟! ….. أم أن لقب "الجندى الصائم" مذكور ومحفور فقط فى أرض المعارك وذاكرة الحروب المقدسة؟!.