بطولات بورسعيدية.. أبناؤها هزموا العدوان الثلاثي عام 1956 في معركة من أجل البقاء استغرقت 53 يوما هي الأخطر في حياة المدينة وبأساليب بدائية

شهدت المقاومة الشعبية في محافظة بورسعيد خلال فترة العدوان الثلاثي عام 56 مجموعة من الانتصارات التي لا يمكن أن ينكرها أحد قامت بها مجموعات من شباب ونساء وأطفال ورجال بورسعيد، وكل منهم كان له دوره في الدفاع عن بورسعيد، والجميع حمل السلاح دفاعًا عن أرض مصر وتراب بورسعيد، وهناك العديد من النماذج التي قامت بعمليات فدائية لا ينكرها التاريخ ولكنه سطرها في صفحات من نور.
ويواصل "صدى البلد" سرد الوقائع والحقائق التي سطرتها كتب التاريخ عن الباسلة.
وقف شعب بورسعيد العظيم صامدا ضد العدوان الثلاثي الغاشم عام 1956 من الدولتين العظميين في ذلك الوقت إنجلترا وفرنسا، وانضمت إليهما إسرائيل التي كانت في ذلك الوقت تحاول إنشاء كيانها كدولة على أرض فلسطين العربية.
تميز أهالي بورسعيد بالشخصية التي رسخت فيه إمكانيات التحدي ووقف على مر العصور ضد الغزاة والمعتدين ضد الاحتلال الإنجليزي عام 1882 وأثناء ثورة 1919 وشارع صفية زغلول مليء بذكريات لشهداء صرعهم رصاص الاحتلال البريطاني.
وجاءت حرب 1956 لتكون ذروة التحدي لبورسعيد في مقاومة الاستعمار العالمي الذي قهر على أرض بورسعيد، حيث ضرب أهالي بورسعيد الأبطال أفضل نماذج التضحية والفداء عندما واجهوا بأبسط الأسلحة القديمة وقتها عدوا غادرا يمتلك من السلاح أحدثه، فكانت المعركة تستهدف الأطفال والنساء والشيوخ حتى المباني الخرسانية لم تسلم من الدمار والخراب ورغم عدم تكافؤ المعركة بين الجانبين، إلا أن الشعب البطل رفض الاستسلام وقرر الرجال تهجير أسرهم ليتفرغوا للعدو فكانت معركة من أجل البقاء استغرقت 53 يوما هي الأخطر في حياة بورسعيد وبأساليب بدائية وصمود الأبطال نجح شعب بورسعيد بمعاونة بعض الوحدات العسكرية من الجيش والشرطة أن يلقنوا القوى العظمي درسا في فنون القتال.
وتبدأ الملحمة مع إعلان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس وسحبها من كل القوى المسيطرة عليها وعلى ميزانيتها، الأمر الذي أغضب فرنسا دولة الإدارة وتعاونت معها إنجلترا لبدء حرب 1956 بعد التأميم مباشرة، والذي لم يهدد حرية الملاحة في القناة.
فعندما تم إعلان مصر التأميم في 26 يوليو 1956 عقدت إنجلترا وفرنسا العزم على العدوان ضد مصر واحتلال القناة من جديد، ووجدت الدولتان في ذلك ذريعة مناسبة للتدخل وتحطيم قوة مصر والقضاء على نظام الحكم فيها الذي جاء بثورة 23 يوليو المجيدة، والتي تعتبر بكرا لمرحلة جديدة فى منطقة الشرق الأوسط، أما الولايات المتحدة فكان موقفها معقدا تجاه تلك الأزمة خوفا من اندلاع حرب عالمية ثالثة.
بدأت استعدادات إنجلترا وفرنسا لغزو مصر في تجميع المدرعات الحربية الثقيلة بعد اختيار قاعدة مالطة التي تبعد عن مصر بحوالي 1000 ميل بحري، وبدأت الأساطيل البريطانية والفرنسية في التحرك بعد استدعاء 125 ألف جندي من الاحتياط وبدأت الحركة في ميناءي بورتسموت الإنجليزي وطولون الفرنسي لإعداد حاملات الطائرات والسفن الحربية المشتركة في الغزو.
أما في إسرائيل، اقترح موشيه ديان علي بن جورين، رئيس وزراء إسرائيل وقتذاك، ثلاث خطط لعملية الهجوم على مصر هي احتلال شبه جزيرة سيناء وقناة السويس والسيطرة على شرم الشيخ واحتلال قطاع غزة.
وخلال يومي 11 و12 أغسطس 1956، بدأت العائلات الفرنسية تغادر مصر ورحلت ثلاث آلاف سيدة وطفل قبل آخر الأسبوع، وفي المقابل كانت مصر تقدر مدى خطورة الأسلحة الفرنسية والبريطانية، فضلا عن الخطر الإسرائيلي، لكن في الوقت نفسه فإن فرنسا كانت مشغولة في الجزائر وبريطانيا وجنودها مبعثرين في دول العالم، حيث إن مصالحها تقتضي ذلك، وجاء مؤتمر لندن الذي لم يوفق في إصدار بيان أو قرار لتقريب وجهات النظر.
وفي 19 سبتمبر عقد مؤتمر لندن الثاني، وانفض المؤتمر في جو من الغموض ولم يتم التوصل لشيء، والحقيقة أن بريطانيا كانت تريد استنفاد جميع إمكانيات الحلول السلمية استعدادا للعمل العسكري.
وفي مساء 28 سبتمبر، سافر وفد إسرائيلي إلى فرنسا بتوجيهات من بن جوريون وخلال اجتماعات الوفدين الإسرائيلي والفرنسي اغتنمت إسرائيل الفرصة وقدمت مطالبها من السلاح، وبعد عودة الوفد إلى إسرائيل دعا موشيه ديان هيئة الأركان ليعطيهم الأمر الإنذاري الأول واحتمال القيام بعمل مشترك مع فرنسا وبريطانيا.
وبالفعل تم التنسيق بين وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا مع كل الأطراف واتفقوا على قيام القوات الإسرائيلي في مساء 29 أكتوبر 1956 بشن هجوم واسع النطاق على القوات المصرية بهدف الوصول إلى قناة السويس، وبعدها وجهت الحكومتان البريطانية والفرنسية في 30 أكتوبر نداءين إلى الحكومتين المصرية والإسرائيلية بهدف وقف إطلاق النار وسحب كل القوات المسلحة إلى مسافة 10 أميال بعيدا عن قناة السويس، وإذا لم تستجب الحكومة المصرية إلى شرط النداء في الموعد المحدد تقوم القوات البريطانية والفرنسية بالهجوم على القوات المصرية صباح 31 أكتوبر 1956.
وبعد عودة بن جوريون إلى إسرائيل يوم 25 أكتوبر، روجعت اللمسات الأخيرة التي أدت إلى القيام بالعدوان يوم 29 أكتوبر، وبالفعل بدأ العدوان يوم الاثنين 29 أكتوبر، حيث قام الجيش الإسرائيلي بشن هجوم على الكونتيلا على حدود سيناء، وحددت بريطانيا وفرنسا صباح 31 أكتوبر للرد على طلب انسحاب القوات العسكرية لمسافة 10 أميال غرب القناة، إلا أن مصر رفضت الإنذار ثم أغارت الطائرات البريطانية والفرنسية على المدن المصرية وركزت على ضرب الأهداف المدنية والعسكرية.
وكثفت إنجلترا وفرنسا في أول نوفمبر 1956 غاراتهما الجوية على القاهرة والإسكندرية وعلى قواتنا التي تعبر القناة، كما قامت بضرب السفينة "عكا" أثناء عبورها القناة، وأدى غرقها إلى توقف الملاحة في قناة السويس، وفي هذا اليوم تم تعيين محمد رياض حاكما عسكريا على بورسعيد.
وفي يوم الجمعة 2 نوفمبر، أصدرت الأمم المتحدة قرارها بوقف إطلاق النار فوافقت عليه مصر ولم توافق فرنسا وإنجلترا إلا يوم 6 نوفمبر، وقامت السلطات المصرية بتوزيع الأسلحة على أبناء بورسعيد وأفراد المقاومة الشعبية استعدادا لجميع احتمالات الهجوم على المدينة، وتم توزيع 50 ألف بندقية، فيما كثفت الطائرات البريطانية غاراتها على المدن المصرية.
ويوم السبت 3 نوفمبر، صدرت الأوامر بإغراق 5 سفن عند مدخل القناة لإغلاقها للحيلولة دون احتلال مصر عن طريق القناة كما حدث أيام عرابي باشا عام 1882، وقد حاولت بعض القطع البحرية المغيرة إنزال قوات كوماندوز بالسويس لوصولها إلى بورسعيد، إلا أن زوارق الطوربيد المصرية تصدت لها وأغرقت 3 قطع بحرية منها، وانسحبت باقي القطع إلى قاعدتها في عدن، كما قامت الطائرات المغيرة بضرب طابية السلام ونقلت القيادة المصرية مدفعيتها لموقع آخر على الشاطئ أمام مبني محافظة القناة بميدان إبراهيم ميدان الشهداء حاليا.
ويوم الأحد 4 نوفمبر أغارت الطائرات الفرنسية والبريطانية على مدينة بورفؤاد ودمرت كوبري الفردان.
وفي يوم الاثنين 5 نوفمبر 1956، أغارت الطائرات البريطانية القادمة من قاعدة قبرص والطائرات الفرنسية من فوق حاملات الطائرات على مدينة بورسعيد مستخدمة قنابل النابالم وركزت ضرباتها إلى المدينة في منطقة الجميل والجبانة والرسوة وبورفؤاد تمهيدا لإسقاط مظليين في تلك المناطق، ولكن المقاومة الشعبية المدعمة من القوات المسلحة قاومت ببسالة منقطعة النظير ففي السابعة صباحا تم إسقاط كتيبة مظلات قوامها 250 ضابطا وجنديا بمنطقة الجميل أبيدت بالكامل بعد أن استخدم الأهالي السلاح الأبيض، وبدأ الأهالي في تهجير النساء والشيوخ والأطفال إلى دمياط والمطرية عبر بحيرة المنزلة بواسطة اللنشات التي كانت موجودة بشارع الأمين وقد هاجر من المدينة ما يقرب من 92 ألفا من النساء والأطفال والشيوخ، وقد عاودت الطائرات المغيرة التحليق في سماء بورسعيد وقامت بإسقاط مظلات وهمية تحمل دمى قماش لاكتشاف مناطق تمركز القوات المدافعة عن المدينة، وبعد معرفة أماكنها ضربتها ضربا شديدا فاستشهد عدد كبير من الأهالي، وبعدها تم إسقاط الكتيبة الثالثة مظلات البريطانية على دفعتين وقدرت بنحو 1200 ضابط وجندي، بالإضافة إلي إسقاط كتيبة مظلات فرنسية قوامها 600 ضابط وجندي بقيادة النقيب ( فورمينيه ) علي منطقة الرسوة فاحتلت وابور المياه بعد أن تصدت لها القوات المتمركزة في تلك النقطة بقيادة الملازم أول احتياط السيد محمد ابوعاشور وأسقطت قوات مظلية فرنسية قوامها 400 ضابط وجندي علي مدينة بورفؤاد.
واشتدت المقاومة وتصدت للقوات المغيرة وشهدت الفترة من 6 نوفمبر حتى الاثنين 10 ديسمبر 1956 بطولات نادرة من جانب الفدائيين الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل النصر بعد أن نقلت إليهم الأسلحة والذخائر والمعدات عن طريق صيادي الأسماك ببحيرة المنزلة.
وخلال الأيام من 15 إلى 24 ديسمبر، انسحبت القوات البريطانية من داخل المدينة تدريجيا ثم وصلت أفواج من قوات البوليس المصري وتسلمت قوات الأمم المتحدة مبنى هيئة قناة السويس وعادت جميع القطع البحرية الإنجليزية إلى قاعدتها في قبرص، واعتبر يوم 23 ديسمبر عيدا قوميا لأنه عيد النصر لبورسعيد ولمصر كلها.
لقد انتهى التآمر الثلاثي بلا كسب سياسي أو عسكري لأطراف العدوان لأن الهدف الأساسي كان زعزعة حكم الرئيس عبد الناصر والعودة إلى احتلال قناة السويس وتحطيم الجيش المصري، وهذا لم يتحقق لأن العامل الحاسم في كل ذلك كان إصرار الشعب المصري على القتال، وهذا ما كانت تخشاه المنظمة العالمية لكي لا تثير حربا عامة في الشرق الأوسط قد تمتد لتغطي العالم كله.
لم تقتصر البطولات والتضحيات على مهران وعسران ومجموعة خطف مورهاوس، ومن قبلهم الحاجة زينب وأم علي ونبيل منصور، أبناء الباسلة في الدفاع عن تراب مصر ومواجهة قوى العدوان، فهناك العديد من الأبطال الذي قدموا التضحيات سوف يلقي "صدى البلد" خلال الأيام المقبلة الضوء عليهم حتى تظل بطولاتهم عالقة في أذهان المصريين وملهمة لإشعال روح الانتماء والوطنية، فلو لم تكن بطولاتهم وتضحياتهم، ما نعمنا بالعيش على تراب ذلك الوطن أحرارا.