قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

باب ميركل المفتوح



من يسير ضد التيار يتوقع المزيد من الخصوم ويظل فى حالة صراع من أجل مبادئه وعقيدته ونادرا ما تتحطم عزيمته ويفقد إصراره على صخرة التحديات .. إنها باختصار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، تلك "الأم الحديدية" التى فازت بهذا اللقب الإنسانى لمواقفها النبيلة ودورها الإنسانى فى قضية اللاجئين منذ عام ٢٠١٥ تحديدا، فضلا عن تفوقها السياسى فى المعارك الانتخابية أمام منافسيها على السلطة من واقع إنجازاتها الداخلية على مستوى تحسين الاقتصاد والارتقاء بالتعليم وبناء الدولة العصرية القائمة على درع العلم وسيف القانون .. وبالرجوع إلي تاريخ هذه المرأة الفولاذية نكتشف سجلها المشرف كمتخصصة فى الفيزياء والكيمياء وسخّرت خبراتها العلمية وتفكيرها المنظم لخدمة برامجها السياسية فى عنفوان شبابها .. وكزوجة وشريكة حياة تقدس الحياة الأسرية وتوفر لها مساحة محترمة من الاهتمام والرعاية لتكتمل الصورة الذهنية عن "السيدة الأولى المثالية"، ولعل فى احتفاظها بتاج "امرأة العام" ٧ سنوات متتالية فى تصنيف مجلة "فوربس" الأمريكية العالمية الإجابة الشافية عن أسباب تربعها على عرش نساء العالم!.
ونأتى إلى لُب الحديث عن "ميركل العظيمة"، عندما نستعرض قراراتها وإجراءات حكومتها وفى مقدمتها سياسة "الباب المفتوح" بعد أن فتحت حدود ألمانيا أمام اللاجئين والمهاجرين الفارين من نيران الحروب التى أحرقت الأخضر واليابس فى بلدانهم وارتموا فى أحضان شواطئ المتوسط بحثا عن وطن بديل .. فمدت المستشارة "الإنسانة" يدها لكل غريق ومنحت حق اللجوء لأكثر من مليون مهاجر وأجنبى إنقاذا لآلاف الأرواح والمنكوبين، ولكن الحكمة بلغت بها حد الاستفادة من هذه الثروة البشرية المهدرة فى ماء البحر من خلال ضخها فى سوق العمل الألمانية، وإتاحة الفرصة لهؤلاء المهاجرين بعائلاتهم وأبنائهم للاندماج مع مجتمع بلادها ليتحولو إلي جزء من نسيجها ويساهموا فى تنشيط عجلة الإنتاج ورفع مستوى التنمية، قبل أن يصيروا لقمة سائغة للإرهاب أو فريسة سهلة المنال للتدمير .. وبالفعل نجحت ميركل مع فريقها السياسى فى رسم خطة توظيف "محنة" الهجرة غير الشرعية لصالح دولتها وبما يعزز من مكانتها عند المواطن الألمانى من ناحية، ويُعظِّم من سُمعتها عالميًا .. وتاريخيًا!.
ولأنها تفكر وتعمل وتنفذ فلسفتها المعاكسة لاتجاهات القطاع الأكبر من الكتل السياسية المتطرفة والعنصرية فى المعسكر الأوروبى، فكان الصدام وشيكا والضغوط متصلة لإثنائها عن مُرادها .. وتصاعد الحصار لإغلاق هذا "الباب المفتوح" فى وجه اللاجئين خوفا من القنبلة الموقوتة "الإرهابية"، ومؤخرا سعت أحزاب المعارضة الألمانية إلى إجبار المستشارة "العنيدة" على وضع معايير مشددة حول إقامة اللاجئين وإعالتهم .. وهنا بالخصوص تكمن براعة وحنكة "ميركل" الراقية، فقد اشترطت على الأجانب الراغبين فى دخول البلاد إتقان
اللغة الألمانية لتسهيل تعاملاتهم وانصهارهم مع الشعب، وتوفير منح تدريبية لمدة ٦ أشهر لتأهيل العمال المهرة مهنيا فى مختلف الوظائف تمهيدا للاستعانة بهم، انتهاء برفع القيود عن مهن محددة وتخفيف الشروط المطلوبة من أصحاب الكفاءات .. ويبدو من المشهد "شكليا" أن الحكومة الألمانية رضخت لإملاءات خصومها فيما يتعلق بمستقبل اللاجئين، بينما فى واقع الأمر نجحت ميركل ورجالها فى ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، حيث وفرت للاجئين غطاءً أمنيا واجتماعيا يساعدهم على التفاعل مع المجتمع الألمانى .. وحصَّنت هوية بلادها من التأثر بثقافات مستوردة بحفاظها علي اللغة الأم وتشجيع الأجانب علي تعلمها ورفع شعارها .. ثم قطعت الطريق على أى محاولات خبيثة لوأد فكرة "الباب المفتوح" بتبنيها تشريعات جديدة تضبط عملية الهجرة ولا ترفضها أو تلفظها .. وأخيرا، ضربت المثل فى قيادة أوروبية متحضرة تمزج بين الدهاء السياسى، والحكمة الإنسانية لأكثر ملفات العالم خطورة وحساسية، أملًا فى أن يتعلم الآخرون .. وينتبهوا!.
اقرءوا تاريخ "الأم الحديدية" لتدركوا - عن يقين - من هم الذين يقودون العالم ويديرون "ماكينته" ويحمون من يعيشون بلا شطآن .. ولا أوطان!.