قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

"صدى البلد" يكشف مافيا المتاجرة في شهادات محو الأمية.. سعر الشهادة وصل 3 إلى آلاف جنيه.. والمعلمون "مقاولو أنفار"


الرئيس السابق لهيئة محو الأمية:
80 % من الحاصلين على الشهادات لا يستحقونها
مصطفى رجب:
لابد من إنشاء وزارة لمحو الأمية.. ونحتاج نحو 2 مليار جنيه لتنفيذ مشروع "مصر بلا أمية"
الرئيس السابق لهيئة تعليم الكبار:
90 % من الموظفين داخل الهيئة بالواسطة وليسوا على دراية بالمشروع القومى
كمال مغيث:
300 ألف متسرب من التعليم سنويا.. ومعلمو محو الأمية "مقاولين أنفار "
مشروع محو الأمية بدأ في مصر عام 1886 ومع ذلك وصلت نسبة الأمية لقرابة 17 مليونا
تقرير التنمية البشرية:
19 % نسبة الأمية بالوطن العربي يقدرون بنحو 96 مليون نسمة
الأمم المتحدة:
مصر ضمن أسوأ تسع دول في مجال الأمية
رابطة معلمي محو الأمية:
رواتبنا لا تتعدى 65 جنيها شهريا .. واتهمنا بالسرقة والتزوير
رئيس الهيئة يعترف بوجود حالات تزوير للشهادات بديوان وزارة التعليم وبعض المديريات
رئيس الهيئة:
لدينا 37 ألف فصل وجارٍ محو أمية مليون و250 ألف دارس.. والميزانية تكفي
لم يكن "فضل جمال" وهو عامل زراعي مقيم بمركز "حوش عيسي"، التابع لمحافظة البحيرة، يأمل سوى في الحصول على فرصة عمل وتعيين بالحكومة لضمان مستقبل أفضل لأسرته، وجاء الإعلان عن وظائف خفير نظامي بالشرطة لتفتح باب الامل امامه، ولكن كانت صدمته عندما علم أن أحد أهم شروط التعيين هو قدرته على القراءة والكتابة وحصوله على مؤهل دراسي أو شهادة محو امية.

توجه عم "فضل" علي الفور إلى أقرب فرع لهيئة محو الأمية وتعليم الكبار، بمحافظة البحيرة، ولكنه علم هناك أن الدراسة تستغرق من ستة أشهر إلي حوالي ثمانية أشهر، وهو الامر الذي وجده مستحيلا وسوف تضيع معه فرصة التقديم للوظيفة، كما أنه وجد الامر شاقا ً، فكيف بعد أن أصبح عمره خمسة وثلاثين عاما أن يحمل قلما وكراسة ويتوجه للفصل الدراسي.
ولأن النفس امارة بالسوء، أوعز إليه بعض جيرانه الذين يعتزمون التقدم لتلك الوظيفة بأنهم اتفقوا مع احد الموظفين، علي منحهم شهادة محو الأمية مستوفية جميع الاختام الرسمية التي تفيد حصولهم عليها مقابل ألف و500 جنيه، ولم يكن "فضل" يعلم إنه في طريقه للسجن هو وأصحابه بتهمة التزوير، وهو ما حدث بالفعل حيث ألقي القبض عليهم وبحوزتهم تلك الشهادات المزورة، من قبل إدارة المباحث الجنائية بمحافظة البحيرة، وبعد عرضهم على النيابة واجهوا تهمة التزوير وضاع حلم الوظيفة، ليقضي "فضل" وأصحابه بعض سنين عمرهم خلف القضبان بدلا من أن يعين حارسا عليها، كما كان يحلم.
"فضل" ليس الحالة الوحيدة التي رفضت الالتحاق بفصول محو الامية، فهناك الملايين مازالوا يعانون تبعات الجهل، فطبقا للإحصائيات الرسمية هناك قرابة 17 مليون أمّي، ورغم كل الجهود المعلنة منذ عشرات السنوات، إلا أن مشكلة الامية في تزايد مستمر.
"صدى البلد" يحاول الوصول إلى إجابة على بعض التساؤلات، لماذا لم يتم إعلان "مصر بلا امية " حتى الان، وأين المجلس القومي لتعليم الكبار ومحو الامية من تلك المشكلة، وما حقيقة تضارب الاحصائيات وتزوير الشهادات ووجود سوق سوداء وصل سعر الشهادة فيه لحوالي 3 الاف جنيه، وإن قرابة 80 % من الحاصلين على شهادات محو الامية، لا يجيدون القراءة والكتابة ولعبت الرشاوي والواسطة والموظفين والمعلمين دورا ً في حصولهم علي تلك الشهادات.

في البداية يكشف المهندس مصطفي رجب، الرئيس السابق لهيئة تعليم الكبار ومحو الامية، عن عثوره على انواع عديدة من الفساد داخل الهيئة تفوق الخيال، وذلك عندما توليت رئاسة الهيئة عام 2011، ولعل أبرزها وجود سوق سوداء لبيع الشهادات للراغبين من قبل الموظفين والمعلمين، وأن مشروع محو الامية تحول إلى سبوبة لدى البعض بالقري والريف، وأن هناك تكرارا في أسماء الحاصلين على الشهادات مما يعنى ان الاحصائيات غير دقيقة، والوصول للعديد من الحاصلين على تلك الشهادة وهم لا يجيدون القراءة والكتابة.

فساد داخل الهيئة

وأوضح أنه وجد آلافاً من الأميين يحصلون على شهادات من الجمعيات الاهلية وغيرها من الجهات سواء التابعة لأحزاب أو مساجد او كنائس، رغم أنهم لم يجيدوا القراءة والكتابة، وعليه أغلقت 120 جمعية ثبت تورطها في تداول الشهادات وتكرارها للأميين، مقابل الحصول على اموال من الهيئة (200 جنيه مقابل كل أمي يتم تعليمه)، وأنشئت إدارة يطلق عليها إدارة الاستكتاب على مستوي 26 إدارة وكان مسؤوليتها امتحان من حصلوا على شهادات محو الأمية من جميع الجهات، وكنت احضر الامتحانات بنفسي واكتشفت قرابة 30 ألف شهادة مكررة وغير مستحقة لبعض الحاصلين عليها، وكنت أيضا اعتمد على طبع الشهادات بالأرقام المائية بجهات الامن القومي حتى لا يتم غشها أو تزويرها، وكل ذلك تم إلغاؤه عقب مغادرتي الهيئة.

أكد مصطفى رجب أن 80% ممن حصلوا علي الشهادات خلال العامين الماضيين لم يتم محو أميتهم، كما أن 90% من موظفي الهيئة تم تعيينهم بالواسطة والمحسوبية والبعض يتخذ من مشروع محو الأمية سبوبة لكسب المال، ولهذا أطالب بتشكيل لجان تابعة لرئاسة الجمهورية للبحث في مدى صدق الارقام الصادرة عن الهيئة والمتعلقة بأعداد من تم محو أميتهم.
•وزارة محو أمية

ودعا الرئيس السابق لهيئة تعليم الكبار ومحو الامية، إلي استحداث وزارة طوارئ أسوة بوزارة السد العالي تتولى مهام مشروع محو الامية، ليصبح مشروعا قوميا وتجتمع الجهات كافة بتلك الوزارة ويتولى أمرها شخص مهني ذو دراية بحجم المشكلة، وأن يتم زيادة الميزانية التي لا تتجاوز160 مليون جنيه، لتصل إلي حوالي 2 مليار جنيه لنتمكن من محو الامية على مدار عشر اعوام، وكذلك ضرورة توفر الارادة سياسية لدعم المشروع، خاصة وأن نسبة الأمية تعدت 17 مليون نسمة وهناك من يشير لضعف هذا الرقم.

وأكد ضرورة الاهتمام بتطوير المناهج وطرق التدريس داخل الهيئة، وكذلك بمعلم محو الامية، فقد كان هناك وقت معلم محو الامية من حملة الاعدادية، وحاليا تم تعيين قرابة 5 آلاف معلم من حملة المؤهلات المتوسطة، رغم أن مهنة معلم محو الامية تحتاج لحملة المؤهلات العليا، وأن يتم زيادة رواتبهم، فقد كانت لا تتعدى 65 جنيها ووصلت لقرابة 180 جنيها فقط، رغم مشقة المهنة، والمتمثلة في جلب الأمي وإقناعه بالاستمرار والمواظبة على مدار شهور للتعلم.
•مقاولو أنفار

بدوره يرى الخبير التربوي كمال مغيث، أن الازمة الاساسية تكمن في زيادة أعداد المتسربين كل عام من التعليم، واعدادهم تتجاوز 300 ألف طفل، هذا بالإضافة للحاصلين على شهادات من التعليم الأساسي ولا يستطيعون القراءة والكتابة، وهم يدخلون ضمن مشكلة الامية في مصر، ويضاف إلى ذلك مشاكل مشروع محو الأمية، المتعلقة بأن المعلمين أغلبهم يتعاملوا مع الاميين وكأنهم "مقاولى أنفار"، حيث يحصل مقابل كل ناجح علي مبلغ 200 جنيه، وبالتالي فهو يهتم بالكم وليس الكف، وقد يحصل دارس على الشهادة وهو لم يتم محو أميته بعد.
وطالب "مغيث" بضرورة تأهيل معلم محو الامية وتدريبه على ألية التدريس وترغيب الاميين واقناعهم، وكذلك لابد من زيادة ميزانية محو الامية، وترغيب الشباب المصري في المشاركة بمثل هذا المشروع.
•إحصائيات مهمة

طبقا للإحصائيات الصادرة عن منظمة اليونسكو، فإن حجم مشكلة الأمية التي يعاني منها الشباب تمثل تحدياً كبيراً، إذ تفيد التقديرات بأن 127 مليون شاب ،على الصعيد العالمي، لا يستطيعون القراءة أو الكتابة، وأن 60.7 بالمائة من بينهم هم شابات، ومن المحتمل أن يواجه 67.4 مليون طفل غير ملتحقين بالمدارس صعوبات كبيرة في المستقبل، حيث أن نقص التعليم الأساسي ـ أو عدم توافره ـ هو السبب الأصلي للأمية.
واوضح تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة أن نسبة الأمية في مجمل الوطن العربي خلال عام 2014 وصلت إلى حوالي 19% من إجماليّ السكان، وهو ما يعنى أن عدد الأميين يبلغ نحو 96 مليون نسمة.

تاريخ الأمية

يعود تاريخ محو الأمية في مصر إلى نهايات القرن التاسع عشر، حيث بدأت المحاولات في عام 1886م، ولكنها لم تأخذ الشكل القانوني كما أنها لم تنفذ على نطاق قومي واسع، واستمرت هذه الجهود على يد قادة النضال الوطني في بداية القرن العشرين إلى أن صدر أول قانون لمحو الأمية في عام 1944، وأوكل أمر تنفيذه لوزارة الشئون الاجتماعية، وأقرت مصر قانون التعليم الإجباري للأطفال ما بين سن 6 إلى 12 عاما، سنة 1953.
وتبنت مصر سياسة مكافحة الأمية عام 1976، واستطاع البرنامج محو أمية 4.5 مليون شخص، إلا أنه بالرغم من تناقص نسبة الأمية بين السكان، فإن أعداد الأميين في ازدياد نظرا لمعدلات النمو السكاني الكبيرة في مصر، فحسب التقارير الرسمية فإن عدد المصريين الذين كانوا يجهلون القراءة والكتابة بلغ 14 مليون مواطن عام 1976 ووصل إلى 17 مليون أمي عام 2006، وأظهر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن نسبة الأمية للأفراد تراجعت، في عمر "10 سنوات فأكثر" خلال عام 2011، لتسجل 26.1% مقابل 29.7% فى تعداد عام 2006، ليصل عددهم إلى 16.5 مليون نسمة مقابل 17 مليون نسمة.

وكانت الأمم المتحدة حددت أسوأ 9 دول على مستوى العالم فى مجال الأمية ووضعت من ضمن هذه الدول مصر، بل وتأتى فى مقدمة الدول التي توجد بها أمية كثيفة، وتسبقنا دول أقل أمية من مصر مثل الهند وباكستان والجابون والمكسيك والكونغو، وفى هذه الدول التسع نحن الأعلى في نسبة أمية بالنسبة لها.
المعلمة المثالية

وتتحدث المعلمة المثالية على مستوي الهيئة القومية لتعليم الكبار ومحو الامية ورئيس رابطة معلمي محو الامية "مناليا عبده"، لـ"صدى البلد" حول ما يواجه المعلمين من مشكلات قائلة: "أعمل كمعلمة في مجال محو الامية منذ 15 عاما وحصلت على جائزة المعلمة المثالية، وسعيت لإنشاء الرابطة للمطالبة بحقوق المعلمين الاساسيين الذين تحملوا مشاكل تلك المهنة والاتهامات بالتزوير والسرقة وبيع الشهادات، رغم أننا نحمل رسالة من خلال هذا العمل ولكن لا نجد المقابل، فراتب المعلم لم يكن يتعدى 65 جنيها ً شهريا ً ووصل إلى حوالي 180 جنيها ً قبل المطالبة بالتعيين، فنحن لا ننظر إلى المهنة كسبوبة".
وأوضحت أنه نتيجة لمجهودنا علي مدي سنوات ومطالبنا بالتعيين تم حاليا تعيين الكثيرين في المشروع، مشيرة إلي أنه على مدار عشرة اعوام كان يتم معاملتنا كأننا مقاولو انفار، لأنهم كانوا يشترطون ألا يقل عدد الدارسين عن 5 أميين، ونحن علينا البحث والسعي لأقناعهم، وعلى كل دارس جديد نحصل على 15 جنيها شهريا ً، ويظل العمل طيلة ثماني أشهر، وفي حال نجاح الدارس نحصل على مكافأة 200 جنيه، هذا هو التعاقد الدائم داخل فصول الهيئة، أما التعاقد الحر، فأن البعض يجلب أميين ويطلب تعليمهم بفصول منزلية، ثم يأتي بهم للامتحان ويحصل أيضا ً على نفس المبلغ.

وطالبت "مناليا" بضرورة النظر للدور الذي يلعبه المعلم، وأن يتم الابتعاد عن التشكيك في دوره، وألا نعتبر مهنته "سبوبة"، لأن معلم محو الأمية يحمل عبئا ً ثقيلا ً عن الدولة، ولابد أن تتوقف بعض الجهات عن المتاجرة بجهودهم وسرقتها ونسب الفضل لهم، كما حدث من قبل بعض الشركات والجمعيات، التي تحصل على أميين دارسين بفصول المعلمين وتنسب الفضل لها.

موقف هيئة تعليم الكبار

ويرد المهندس محمد عفيفي، الرئيس الحالي لهيئة تعليم الكبار ومحو الامية، على تلك الاتهامات والمشاكل التي تم رصدها قائلا ً: "بالفعل هناك محاولات عديدة لتزوير شهادات محو الامية، وهناك طريقتان، الاولي التزوير الفعلي من قبل بعض الموظفين خارج الهيئة، والأخرى عن طريق تزوير الاجراءات، وبيع الشهادات المختومة رسميا ً من خلال فروع الهيئة وقد تم ضبط العديد من الحالات بديوان الوزارة وبمديريات الهيئة بالمحافظات وتم إحالتهم للنيابة العامة بتهمة التزوير".
وأضاف أنه يتم حاليا تطبيق نظام الإلزام بالاستعلام عن الشهادة من قبل الهيئة حتى لو حصل عليها من إحدى الجمعيات أو الاحزاب، وتشكل لجنة ثلاثية للتأكد من محو أمية الفرد، موضحا انه جاري محو أمية مليون و250 ألف على 4 مراحل، ولدينا قرابة 37 ألف فصل، ويكل فصل دراسي معلم، وتم تعيين 5 ألاف معلم، فضلا عن التعاقد الحر، والذى يحصل المعلم بموجبه علي مبلغ 200 عن كل ناجح تم محو اميته خارج الفصول.

الأدوات الدراسية

وأكد عفيفى أنه يتم توفير الادوات الدراسية للدارسين والمعلمين بالمجان داخل الفصول ومدة الدارسة 8 شهور، مشيرا إلى ان ميزانية الهيئة تبلغ حوالي 160 مليون جنيه، وتم امدادنا بحوالي 45 مليونا إضافية.
وأشار إلى أن هناك مرورا دائما من قبل إدارة البحوث والمفتشين للتأكد من الالتزام بمعايير الدارسة، ونسعى الأن للتنسيق مع وزارة التربية والتعليم لترغيب الطلاب وتسهيل دراستهم لمنع تسرب التلاميذ، مع التوسع في إنشاء مدارس الفصل الواحد ونظام القرائية لترغيبهم، وكذلك الفصول صديقة الفتيات لتشجعيهم على العودة للتعليم حتى لا يصبحوا في المستقبل أميين.
وحول العدد الفعلي للأميين في مصر أوضح "عفيفى" أن الأرقام متضاربة، مؤكدا أنه لا صحة للأحاديث التي تردد بأن النسبة وصلت إلي حوالي 45%، فالأعداد الحقيقة لا تتعدى 26% في الفئة العمرية التي تعمل بها الهيئة أي حوالي 17 مليون أمي.
وحول الاجراءات التي تتخذها الهيئة للتوسع في عملها، أشار "عفيفى" إلي أن الهيئة سعت لتعيين المزيد من المعلمين، وتقرر ربط تعيين المعلمين بمحو أمية 10 أفراد، وكذلك ربط حصول الطالب الجامعي على الشهادة بمحو أمية 4 أفراد، كما نعمل علي تنظيم ندوات بالجامعات والأحزاب والمساجد والكنائس، لتشجيع مؤسسات المجتمع وتوفير حوافز أدبية ومادية لهم، لان ذلك هو سر نجاح المشروع.الرئيس السابق لهيئة محو الأمية:
80 % من الحاصلين على الشهادات لا يستحقونها
مصطفى رجب:
لابد من إنشاء وزارة لمحو الأمية.. ونحتاج نحو 2 مليار جنيه لتنفيذ مشروع "مصر بلا أمية"
الرئيس السابق لهيئة تعليم الكبار:
90 % من الموظفين داخل الهيئة بالواسطة وليسوا على دراية بالمشروع القومى
كمال مغيث:
300 ألف متسرب من التعليم سنويا.. ومعلمو محو الأمية "مقاولين أنفار "
مشروع محو الأمية بدأ في مصر عام 1886 ومع ذلك وصلت نسبة الأمية لقرابة 17 مليونا
تقرير التنمية البشرية:
19 % نسبة الأمية بالوطن العربي يقدرون بنحو 96 مليون نسمة
الأمم المتحدة:
مصر ضمن أسوأ تسع دول في مجال الأمية
رابطة معلمي محو الأمية:
رواتبنا لا تتعدى 65 جنيها شهريا .. واتهمنا بالسرقة والتزوير
رئيس الهيئة يعترف بوجود حالات تزوير للشهادات بديوان وزارة التعليم وبعض المديريات
رئيس الهيئة:
لدينا 37 ألف فصل وجارٍ محو أمية مليون و250 ألف دارس.. والميزانية تكفي
لم يكن "فضل جمال" وهو عامل زراعي مقيم بمركز "حوش عيسي"، التابع لمحافظة البحيرة، يأمل سوى في الحصول على فرصة عمل وتعيين بالحكومة لضمان مستقبل أفضل لأسرته، وجاء الإعلان عن وظائف خفير نظامي بالشرطة لتفتح باب الامل امامه، ولكن كانت صدمته عندما علم أن أحد أهم شروط التعيين هو قدرته على القراءة والكتابة وحصوله على مؤهل دراسي أو شهادة محو امية.

توجه عم "فضل" علي الفور إلى أقرب فرع لهيئة محو الأمية وتعليم الكبار، بمحافظة البحيرة، ولكنه علم هناك أن الدراسة تستغرق من ستة أشهر إلي حوالي ثمانية أشهر، وهو الامر الذي وجده مستحيلا وسوف تضيع معه فرصة التقديم للوظيفة، كما أنه وجد الامر شاقا ً، فكيف بعد أن أصبح عمره خمسة وثلاثين عاما أن يحمل قلما وكراسة ويتوجه للفصل الدراسي.
ولأن النفس امارة بالسوء، أوعز إليه بعض جيرانه الذين يعتزمون التقدم لتلك الوظيفة بأنهم اتفقوا مع احد الموظفين، علي منحهم شهادة محو الأمية مستوفية جميع الاختام الرسمية التي تفيد حصولهم عليها مقابل ألف و500 جنيه، ولم يكن "فضل" يعلم إنه في طريقه للسجن هو وأصحابه بتهمة التزوير، وهو ما حدث بالفعل حيث ألقي القبض عليهم وبحوزتهم تلك الشهادات المزورة، من قبل إدارة المباحث الجنائية بمحافظة البحيرة، وبعد عرضهم على النيابة واجهوا تهمة التزوير وضاع حلم الوظيفة، ليقضي "فضل" وأصحابه بعض سنين عمرهم خلف القضبان بدلا من أن يعين حارسا عليها، كما كان يحلم.
"فضل" ليس الحالة الوحيدة التي رفضت الالتحاق بفصول محو الامية، فهناك الملايين مازالوا يعانون تبعات الجهل، فطبقا للإحصائيات الرسمية هناك قرابة 17 مليون أمّي، ورغم كل الجهود المعلنة منذ عشرات السنوات، إلا أن مشكلة الامية في تزايد مستمر.
"صدى البلد" يحاول الوصول إلى إجابة على بعض التساؤلات، لماذا لم يتم إعلان "مصر بلا امية " حتى الان، وأين المجلس القومي لتعليم الكبار ومحو الامية من تلك المشكلة، وما حقيقة تضارب الاحصائيات وتزوير الشهادات ووجود سوق سوداء وصل سعر الشهادة فيه لحوالي 3 الاف جنيه، وإن قرابة 80 % من الحاصلين على شهادات محو الامية، لا يجيدون القراءة والكتابة ولعبت الرشاوي والواسطة والموظفين والمعلمين دورا ً في حصولهم علي تلك الشهادات.

في البداية يكشف المهندس مصطفي رجب، الرئيس السابق لهيئة تعليم الكبار ومحو الامية، عن عثوره على انواع عديدة من الفساد داخل الهيئة تفوق الخيال، وذلك عندما توليت رئاسة الهيئة عام 2011، ولعل أبرزها وجود سوق سوداء لبيع الشهادات للراغبين من قبل الموظفين والمعلمين، وأن مشروع محو الامية تحول إلى سبوبة لدى البعض بالقري والريف، وأن هناك تكرارا في أسماء الحاصلين على الشهادات مما يعنى ان الاحصائيات غير دقيقة، والوصول للعديد من الحاصلين على تلك الشهادة وهم لا يجيدون القراءة والكتابة.

فساد داخل الهيئة

وأوضح أنه وجد آلافاً من الأميين يحصلون على شهادات من الجمعيات الاهلية وغيرها من الجهات سواء التابعة لأحزاب أو مساجد او كنائس، رغم أنهم لم يجيدوا القراءة والكتابة، وعليه أغلقت 120 جمعية ثبت تورطها في تداول الشهادات وتكرارها للأميين، مقابل الحصول على اموال من الهيئة (200 جنيه مقابل كل أمي يتم تعليمه)، وأنشئت إدارة يطلق عليها إدارة الاستكتاب على مستوي 26 إدارة وكان مسؤوليتها امتحان من حصلوا على شهادات محو الأمية من جميع الجهات، وكنت احضر الامتحانات بنفسي واكتشفت قرابة 30 ألف شهادة مكررة وغير مستحقة لبعض الحاصلين عليها، وكنت أيضا اعتمد على طبع الشهادات بالأرقام المائية بجهات الامن القومي حتى لا يتم غشها أو تزويرها، وكل ذلك تم إلغاؤه عقب مغادرتي الهيئة.

أكد مصطفى رجب أن 80% ممن حصلوا علي الشهادات خلال العامين الماضيين لم يتم محو أميتهم، كما أن 90% من موظفي الهيئة تم تعيينهم بالواسطة والمحسوبية والبعض يتخذ من مشروع محو الأمية سبوبة لكسب المال، ولهذا أطالب بتشكيل لجان تابعة لرئاسة الجمهورية للبحث في مدى صدق الارقام الصادرة عن الهيئة والمتعلقة بأعداد من تم محو أميتهم.
•وزارة محو أمية

ودعا الرئيس السابق لهيئة تعليم الكبار ومحو الامية، إلي استحداث وزارة طوارئ أسوة بوزارة السد العالي تتولى مهام مشروع محو الامية، ليصبح مشروعا قوميا وتجتمع الجهات كافة بتلك الوزارة ويتولى أمرها شخص مهني ذو دراية بحجم المشكلة، وأن يتم زيادة الميزانية التي لا تتجاوز160 مليون جنيه، لتصل إلي حوالي 2 مليار جنيه لنتمكن من محو الامية على مدار عشر اعوام، وكذلك ضرورة توفر الارادة سياسية لدعم المشروع، خاصة وأن نسبة الأمية تعدت 17 مليون نسمة وهناك من يشير لضعف هذا الرقم.

وأكد ضرورة الاهتمام بتطوير المناهج وطرق التدريس داخل الهيئة، وكذلك بمعلم محو الامية، فقد كان هناك وقت معلم محو الامية من حملة الاعدادية، وحاليا تم تعيين قرابة 5 آلاف معلم من حملة المؤهلات المتوسطة، رغم أن مهنة معلم محو الامية تحتاج لحملة المؤهلات العليا، وأن يتم زيادة رواتبهم، فقد كانت لا تتعدى 65 جنيها ووصلت لقرابة 180 جنيها فقط، رغم مشقة المهنة، والمتمثلة في جلب الأمي وإقناعه بالاستمرار والمواظبة على مدار شهور للتعلم.
•مقاولو أنفار

بدوره يرى الخبير التربوي كمال مغيث، أن الازمة الاساسية تكمن في زيادة أعداد المتسربين كل عام من التعليم، واعدادهم تتجاوز 300 ألف طفل، هذا بالإضافة للحاصلين على شهادات من التعليم الأساسي ولا يستطيعون القراءة والكتابة، وهم يدخلون ضمن مشكلة الامية في مصر، ويضاف إلى ذلك مشاكل مشروع محو الأمية، المتعلقة بأن المعلمين أغلبهم يتعاملوا مع الاميين وكأنهم "مقاولى أنفار"، حيث يحصل مقابل كل ناجح علي مبلغ 200 جنيه، وبالتالي فهو يهتم بالكم وليس الكف، وقد يحصل دارس على الشهادة وهو لم يتم محو أميته بعد.
وطالب "مغيث" بضرورة تأهيل معلم محو الامية وتدريبه على ألية التدريس وترغيب الاميين واقناعهم، وكذلك لابد من زيادة ميزانية محو الامية، وترغيب الشباب المصري في المشاركة بمثل هذا المشروع.
•إحصائيات مهمة

طبقا للإحصائيات الصادرة عن منظمة اليونسكو، فإن حجم مشكلة الأمية التي يعاني منها الشباب تمثل تحدياً كبيراً، إذ تفيد التقديرات بأن 127 مليون شاب ،على الصعيد العالمي، لا يستطيعون القراءة أو الكتابة، وأن 60.7 بالمائة من بينهم هم شابات، ومن المحتمل أن يواجه 67.4 مليون طفل غير ملتحقين بالمدارس صعوبات كبيرة في المستقبل، حيث أن نقص التعليم الأساسي ـ أو عدم توافره ـ هو السبب الأصلي للأمية.
واوضح تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة أن نسبة الأمية في مجمل الوطن العربي خلال عام 2014 وصلت إلى حوالي 19% من إجماليّ السكان، وهو ما يعنى أن عدد الأميين يبلغ نحو 96 مليون نسمة.

تاريخ الأمية

يعود تاريخ محو الأمية في مصر إلى نهايات القرن التاسع عشر، حيث بدأت المحاولات في عام 1886م، ولكنها لم تأخذ الشكل القانوني كما أنها لم تنفذ على نطاق قومي واسع، واستمرت هذه الجهود على يد قادة النضال الوطني في بداية القرن العشرين إلى أن صدر أول قانون لمحو الأمية في عام 1944، وأوكل أمر تنفيذه لوزارة الشئون الاجتماعية، وأقرت مصر قانون التعليم الإجباري للأطفال ما بين سن 6 إلى 12 عاما، سنة 1953.
وتبنت مصر سياسة مكافحة الأمية عام 1976، واستطاع البرنامج محو أمية 4.5 مليون شخص، إلا أنه بالرغم من تناقص نسبة الأمية بين السكان، فإن أعداد الأميين في ازدياد نظرا لمعدلات النمو السكاني الكبيرة في مصر، فحسب التقارير الرسمية فإن عدد المصريين الذين كانوا يجهلون القراءة والكتابة بلغ 14 مليون مواطن عام 1976 ووصل إلى 17 مليون أمي عام 2006، وأظهر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن نسبة الأمية للأفراد تراجعت، في عمر "10 سنوات فأكثر" خلال عام 2011، لتسجل 26.1% مقابل 29.7% فى تعداد عام 2006، ليصل عددهم إلى 16.5 مليون نسمة مقابل 17 مليون نسمة.

وكانت الأمم المتحدة حددت أسوأ 9 دول على مستوى العالم فى مجال الأمية ووضعت من ضمن هذه الدول مصر، بل وتأتى فى مقدمة الدول التي توجد بها أمية كثيفة، وتسبقنا دول أقل أمية من مصر مثل الهند وباكستان والجابون والمكسيك والكونغو، وفى هذه الدول التسع نحن الأعلى في نسبة أمية بالنسبة لها.
المعلمة المثالية

وتتحدث المعلمة المثالية على مستوي الهيئة القومية لتعليم الكبار ومحو الامية ورئيس رابطة معلمي محو الامية "مناليا عبده"، لـ"صدى البلد" حول ما يواجه المعلمين من مشكلات قائلة: "أعمل كمعلمة في مجال محو الامية منذ 15 عاما وحصلت على جائزة المعلمة المثالية، وسعيت لإنشاء الرابطة للمطالبة بحقوق المعلمين الاساسيين الذين تحملوا مشاكل تلك المهنة والاتهامات بالتزوير والسرقة وبيع الشهادات، رغم أننا نحمل رسالة من خلال هذا العمل ولكن لا نجد المقابل، فراتب المعلم لم يكن يتعدى 65 جنيها ً شهريا ً ووصل إلى حوالي 180 جنيها ً قبل المطالبة بالتعيين، فنحن لا ننظر إلى المهنة كسبوبة".
وأوضحت أنه نتيجة لمجهودنا علي مدي سنوات ومطالبنا بالتعيين تم حاليا تعيين الكثيرين في المشروع، مشيرة إلي أنه على مدار عشرة اعوام كان يتم معاملتنا كأننا مقاولو انفار، لأنهم كانوا يشترطون ألا يقل عدد الدارسين عن 5 أميين، ونحن علينا البحث والسعي لأقناعهم، وعلى كل دارس جديد نحصل على 15 جنيها شهريا ً، ويظل العمل طيلة ثماني أشهر، وفي حال نجاح الدارس نحصل على مكافأة 200 جنيه، هذا هو التعاقد الدائم داخل فصول الهيئة، أما التعاقد الحر، فأن البعض يجلب أميين ويطلب تعليمهم بفصول منزلية، ثم يأتي بهم للامتحان ويحصل أيضا ً على نفس المبلغ.

وطالبت "مناليا" بضرورة النظر للدور الذي يلعبه المعلم، وأن يتم الابتعاد عن التشكيك في دوره، وألا نعتبر مهنته "سبوبة"، لأن معلم محو الأمية يحمل عبئا ً ثقيلا ً عن الدولة، ولابد أن تتوقف بعض الجهات عن المتاجرة بجهودهم وسرقتها ونسب الفضل لهم، كما حدث من قبل بعض الشركات والجمعيات، التي تحصل على أميين دارسين بفصول المعلمين وتنسب الفضل لها.

موقف هيئة تعليم الكبار

ويرد المهندس محمد عفيفي، الرئيس الحالي لهيئة تعليم الكبار ومحو الامية، على تلك الاتهامات والمشاكل التي تم رصدها قائلا ً: "بالفعل هناك محاولات عديدة لتزوير شهادات محو الامية، وهناك طريقتان، الاولي التزوير الفعلي من قبل بعض الموظفين خارج الهيئة، والأخرى عن طريق تزوير الاجراءات، وبيع الشهادات المختومة رسميا ً من خلال فروع الهيئة وقد تم ضبط العديد من الحالات بديوان الوزارة وبمديريات الهيئة بالمحافظات وتم إحالتهم للنيابة العامة بتهمة التزوير".
وأضاف أنه يتم حاليا تطبيق نظام الإلزام بالاستعلام عن الشهادة من قبل الهيئة حتى لو حصل عليها من إحدى الجمعيات أو الاحزاب، وتشكل لجنة ثلاثية للتأكد من محو أمية الفرد، موضحا انه جاري محو أمية مليون و250 ألف على 4 مراحل، ولدينا قرابة 37 ألف فصل، ويكل فصل دراسي معلم، وتم تعيين 5 ألاف معلم، فضلا عن التعاقد الحر، والذى يحصل المعلم بموجبه علي مبلغ 200 عن كل ناجح تم محو اميته خارج الفصول.

الأدوات الدراسية

وأكد عفيفى أنه يتم توفير الادوات الدراسية للدارسين والمعلمين بالمجان داخل الفصول ومدة الدارسة 8 شهور، مشيرا إلى ان ميزانية الهيئة تبلغ حوالي 160 مليون جنيه، وتم امدادنا بحوالي 45 مليونا إضافية.
وأشار إلى أن هناك مرورا دائما من قبل إدارة البحوث والمفتشين للتأكد من الالتزام بمعايير الدارسة، ونسعى الأن للتنسيق مع وزارة التربية والتعليم لترغيب الطلاب وتسهيل دراستهم لمنع تسرب التلاميذ، مع التوسع في إنشاء مدارس الفصل الواحد ونظام القرائية لترغيبهم، وكذلك الفصول صديقة الفتيات لتشجعيهم على العودة للتعليم حتى لا يصبحوا في المستقبل أميين.
وحول العدد الفعلي للأميين في مصر أوضح "عفيفى" أن الأرقام متضاربة، مؤكدا أنه لا صحة للأحاديث التي تردد بأن النسبة وصلت إلي حوالي 45%، فالأعداد الحقيقة لا تتعدى 26% في الفئة العمرية التي تعمل بها الهيئة أي حوالي 17 مليون أمي.
وحول الاجراءات التي تتخذها الهيئة للتوسع في عملها، أشار "عفيفى" إلي أن الهيئة سعت لتعيين المزيد من المعلمين، وتقرر ربط تعيين المعلمين بمحو أمية 10 أفراد، وكذلك ربط حصول الطالب الجامعي على الشهادة بمحو أمية 4 أفراد، كما نعمل علي تنظيم ندوات بالجامعات والأحزاب والمساجد والكنائس، لتشجيع مؤسسات المجتمع وتوفير حوافز أدبية ومادية لهم، لان ذلك هو سر نجاح المشروع.